آخر الأخبار :

صراع الأضواء والبقاء..!!

د. عبدالوهاب الروحاني
د. عبدالوهاب الروحاني
2023/01/12 الساعة 07:45 مساءً

 

  

     عند منتصف الليل كانت الأضواء في الغرفة ساطعة.. تسعة "قناديل" موزعة على تسع أباجورات في جوف نجفة، غاية في التنسيق والابداع.. أضواؤها تتوزع في كل الأنحاء.. تعكس اشكالا جمالية مبهرة في جدران وسقف الغرفة..

 

    الكتب المرصوصة بعناية على رفوف المكتبة تتنازع اهتمام بصري مع فيلم اجتماعي، كانت تعرضه قناة مرئية روسية متخصصة عن تفشي وأخطار تعاطي المخدرات في أوساط الشباب الروسي، ودور "الاوليغارشيا" الذين يتربحون من وراء الكارثة والضحايا في المجتمع.

 

استهوت الأضواء فراشة جميلة، فهبت بخفة وزهو تحلق في سماء الغرفة، كانت ترقص في الهواء طرباً.. تستعرض قدراتها في التحليق صعودا وهبوطا، وبحركات استعراضية تلف في محيط النجفة المعلقة في منتصف السقف المرتفع .

 

تعاظم خيلاء الفراشة حينما كانت تطير ملوحة بالأشكال الجمالية لجناحين ملونتين.. يرسمان لوحات فنية مدهشة، أودعت فيهما السماء سرا من أسرار الجمال.

 

ما برحت الفراشة تستعرض طيرانها، وتزهو بجمالها وخفة حركاتها حتى وقعت فجأة في جوف إحدى الأباجورات المزركشة، التي تحتضن أحد "القناديل" المتوهجة..

 

    الجو حار جدا، فقدت الفراشة معه توازنها.. شيئا فشيئا يشتد القيض، فيقترب من الألوان الجميلة في ريشها.. حرارة شديدة تلامسه فتخفي بعض الوانه وتأكل فروها الناعم الذي يغطي جسمها .. 

 

      اللهب يقترب من الأحشاء.. قاومت الفراشة، وحاولت الفرار دون جدوى.. أوقعت نفسها بين كومة أضواء وقيض لا يرحم، لكنها لم تستسلم..

 

     ظلت تقاوم بإصرار وصلابة، ولعلها افرزت مادة هلامية، كانت تتطاير في شكل بلورات مطاطية رفيعة تتمدد بين الاباجورات.. بدت النجفة محاطة بشبكة تشبه بيت العنكبوت .. ثوان وبدا زجاج الاباجورات يتطاير واحدة تلو الأخرى، وانطفأت الأضواء.. وسقطت الفراشة ارضا.. لكنها لم تمت بعد.. لا تزال تقاوم.. 

 

    فراشتنا ليست كبقية الفراشات، هي خليط من أنواع فراش الشمع، والقز، واللوز الشوكية.. كانت قوية لدرجة انها استعادت حركتها في وقت قياسي .. هي تصارع الموت وبقوة ترفض الاستسلام.. 

 

    احترقت فروة الجسم الناعمة، وقشور الأجنحة الملونة.. لكنها احتفظت بقرون الاستشعار وبلونها الأصيل.. لون البن.. 

    ‏

    ‏ظل عودها قويا ومتماسكا، فهي تتغذى على رحيق البن واللوز، وتروى من دموع اشجار دم الاخوين، وصمغ "العَرج" والتالوق"..

 

    نهضت من بين حطام الأباجورات الزجاجية المتناثرة في ارض الغرفة، واستعادت الفراشة حيويتها.. عاد لها شيئ من بريقها.. وبدأ الفرو يغطي بعض جسمها، وتدريجيا نبتت ريشها، واستعادت جناحاها الوانها القزحية، لتعاود التحليق من جديد في فضاءاتها التي لا تنطفئ.. 

    ‏