مناسبة مونديال قطر وعقدة النقص

عبير سليمان
عبير سليمان
2022/11/21 الساعة 11:43 مساءً

 

 

 

عند العربي المسلم عقدة نقص عميقة لكنها مكابرة تظهر في المناسبات التي يشارك فيها أناس من مختلف بلاد العالم ومن مختلف المِلل والمعتقدات، تظهر العقدة على شكل عبارات كبيرة وفاقعة، نراها في كل موقع وكل صفحة وضمن آلاف التعليقات:

"لقد أثبتنا للعالم قدرة الإسلام وعظمته"

"سوف نلقن العالم الغربي درساً في الأخلاق الإسلامية"

"لقد أجبرناهم على احترام عاداتنا وتقاليدنا ومنعنا المحرّمات والسلوكيات المنافية لتعاليم الدين الإسلامي"

.. إلخ

مناسبة مونديال قطر جعلت خوارزميات الفيس بوك تقترح علينا عدة صفحات مخصصة لتعظيم وتكبير دور قطر في نصرة الإسلام ومحاربة "الشذوذ" والمشروبات الروحية وغيرها وغيرها، ليس هذا فقط؛ بل تتحدث عن عدد الذين دخلوا الإسلام بفضل استخدام الدعاية الرياضية كمنصة للتبشير ذي الصبغة الأخوانية.

 

علماً أن التقارير تذكر وفاة ما لا يقل عن ٦٠٠٠ عاملاً من الذين ساهموا في تأسيس البنى التحتية للمونديال بسبب سوء المعاملة والطعام والإقامة، دون أن تُصرف تعويضاتهم أو يأخذوا حقوقهم، هذه ليست سلوكيات منافية للأخلاق الإسلامية عند الجمهور الذي تسيطر عليه وساوس قهرية تشعره دوماً بالحاجة لأن يتحدى "الكافر" من وجهة نظره ويثبت أنه يستطيع التفوق عليه ولو بأمور شكلية فارغة مثل أنه منع إشارة المثلية وشرب المشروبات الكحولية واستطاع خلال فترة قياسية عبر ضخّ الكثير من الأموال أن يبني المنشآت اللازمة ويستضيف المناسبة الرياضية الأبرز على مستوى العالم، التي لم تستطع دول عربية أكثر عراقة في مجال اللعبة والثقافة والتاريخ و... و.. أن تفوز باستضافتها لأنها لا تستطيع أن تشتري من يمكن شراؤه من مسؤولي الفيفا الجشعين.

 

ماذا يفعل المال؟

 يمنحك إبرة تخدير موضعية أو جرعة أدرينالين عالية أو هرمون السعادة لفترة قصيرة ثم يعيدك إلى عُقدك السابقة بكل بساطة، لا لشيء إلا لأنه فرق كبير بين تكون لديك الموهبة الذهنية والنعمة الطبيعية والموارد البشرية والمرونة الفكرية والإرادة لأن تستثمر في كل هذا وتجيد صقله وتحافظ عليه، وبين أن تملك المال الكثير فتستورد المواهب والقدرات وتحاول تقليد الآخر في مسألة سباق محموم لإثبات الذات أو لمنافسة الآخرين ولو عبر تدمير البلاد التي تملك إرثاً حضارياً وموارد بشرية وخصوصية ثقافية لا يختلف عليها اثنان.

 

من حق الجميع أن يمتلك الطموح طبعاً، لكن الإصرار على ترويج الزعم البائس الذي يدّعي بأن العالم بفضل قطر سيعرف من "هم العرب والإسلام" بطريقة مبهرة ومشرّفة كما لم يسبق له أن عرفها من قبل، هو أكبر دليل على شعور العربي المسلم، الذي يتبنى مثل هذه الدعاية، بالنقص والدونية عندما يقارن نفسه بحضارات باقي الأمم ومؤمني باقي الأديان.

 

بعيداً عن السياسة وموقفنا السياسي المحقّ الذي جاء نتيجة سنوات طويلة من حرب دامية أرادت تدمير، ليس البنى التحتية للبلد فقط، بل وأيضاً أوابدها التاريخية ومواردها البشرية وحاولت وتحاول جعل الأجيال الشابة تفقد الثقة بكل تفصيل يخص الثقافة السورية رغم غناها وعراقتها وقدرتها الكبيرة على تحقيق المعجزات حتى في أصعب الظروف وحتى في حالات الفقر اللئيمة..

 

وبعيداً عن مناقشة من يتحمّل مسؤولية ما حدث ويحدث، قد يظن البعض أنني أبالغ عندما أقول، أن افتتاح دورة ألعاب المتوسط في اللاذقية-سوريا في الثمانينيات من القرن الماضي كان أجمل بألف مرة من حفل الافتتاح كأس العالم أمس، على الأقل لأن مشاركة المرأة جنباً إلى جنب الرجل فيه كانت أمراً بديهياً لا يحتمل النقاش، كما أنّ إبعادها إلى الهامش بحجة الأخلاق الإسلامية المحافظة من جهة وتقديمها كجارية رخيصة تعرض مفاتنها من جهة أخرى أمر لم يكن مطروحاً أبداً ولا يمكن طرحه في سوريا إلا في حال تمددت الحالة الإخوانية على الطريقة "المودرن" بواسطة من يروق لهم تمكين هذا النموذج في سوريا، وللأسف هؤلاء موجودون ونحن بحاجة إلى وضع الحدود لهم خصوصاً في مجالات التربية والتعليم والفن والأدب والثقافة.

 

لأضرب مثلاً آخر عن الإبهار الحقيقي:

 حفل نقل المومياوات الملكية المصرية العام الماضي هذا ما يمكنك أن تزهو به أمام العالم بحق، لا كعربي مسلم يصور اليابانيين وهم ينظفون الملاعب بعد خروجهم منها؛ بل كإنسان صنع حضارة عظيمة ما يزال أثرها باقياً، عندما كانت معظم شعوب الغرب تمارس الغزو والقتل بكل بدائية.