مـــزارع دواجـــن وعُجـــول !

حسن عبدالوارث
حسن عبدالوارث
2022/09/03 الساعة 03:42 صباحاً

 

 

 

كان الشعار القديم: محو الأمية.. صار اليوم: نحو الأمية!

 

لا نهضة حقيقية لأُمَّة أو دولة أو مجتمع من دون تعليم حقيقي. حقيقي لا مغشوش، ولا مخدوع!

 

فالجهل لا يصنع مجداً.. والأمية لا تبني تنمية.. ومزارع التفقيس والتدجين المُسمَّاة زوراً: مدارس وجامعات -كتلك التي تزدحم بها بلادنا- لا يمكنها البتّة أن تخلق سوى قطيع من حملة الشهادات التي تتلخص قيمتها الحقيقية في ثمن الحبر الذي طُبعت به، والورق التي طُبعت عليها!

 

اليمن ليست أقلّ إمكانات طبيعية ولا ثروات بشرية من دول ومجتمعات عديدة تجاوزتنا كثيراً على صعيد التنمية المزدهرة، لعزمها وتصميمها وتعليمها على نحوٍ قفز بها أشواطاً قياسية بحساب الزمن والمسافة.

 

 وهذه الدول والمجتمعات لم تتقدم - اقتصادياً واجتماعياً- بفضل ثرواتها وأموالها، ولكن بفضل إدراكها الناضج لمعنى وقيمة المفاتيح السحرية: الإرادة ثم الإدارة، وبينهما التنظيم، وقبل هذا وتلك: التعليم.

 

فقد أقدمت الدول والمجتمعات، التي تصبو إلى التقدم والازدهار، على تغيير أنظمة التعليم التقليدية لديها -من الأساسي إلى الجامعي- فأرستْ نُظُماً حديثة تُلائم تطلعاتها إلى مواكبة ركب التقدم والحضارة.. فيما ما نزال نقبع في نظم تعليمية تقليدية لا تختلف كثيراً عن "الكُتَّاب" أو "المعلامة".. وبالتالي نستقبل -كل عام- مخرجات كارثية لا تتميّز كثيراً عن مخرجات مزرعة الغراسي للدواجن أو مزرعة جعولة للعجول، بعد أن صارت مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا مضخات ميكانيكية إانتاج وإعادة إنتاج الجهل بل والأميّة!

 

مثالاً، أرست ماليزيا وسنغافورة أنظمة تعليمية حديثة، رصدت لها أكثر من 20% للأولى و15% للثانية من ميزانيتها، في مرحلتها التأسيسية على مدى 30 عاماً، وهو العامل الأساسي والسبب المباشر الذي قفز بهما إلى مواقع متقدّمة في ميدان الاقتصاد العالمي، وبالتالي حققت لشعوبها مراتب عالية المستوى على صعيد الرفاه الاجتماعي في أزمنة قياسية.

 

وإذا ما أحكمنا الرؤية في ما قامت الدولة اليمنية، منذ قيامها، في هذا المضمار (باستثناء فترة الحرب القائمة حالياً بالطبع)، فسنضطر إلى التساؤل:

 

ماذا رصدنا، وكم من ميزانيتنا للتعليم الذي يحتاج أساساً إلى انقلاب جذري وشامل في نظمه ومناهجه وأساليبه ووسائله؟ 

 

والمصيبة أن المهمة الوطنية الجليلة المتمثلة بمحو الأمية قد تقهقرت وتيرتها قبل أن تتوقف هي الأخرى، فأعاد ذلك التوقف مؤشر الأميّة إلى الارتفاع بأرقام عالية، بعد أن كان هذا المؤشر ينحني كثيراً نحو الأسفل قبل 40 عاماً فحسب!

 

فالأميّة الأبجدية وحدها تضرب في عضد المجتمع على نحو بالغ الضرر، وباتت تشكّل خطراً كبيراً على المجتمع والتنمية. 

 

وحسب بيانات رسمية، فإن نسبة الأميّة في اليمن تجاوزت نسبة 36% من إجمالي السكان في العام 2010، وهو آخر بيان رسمي معتمد، أما اليوم فالوضع أسوأ بكثير.

 

 ومع استمرار حالة تدني مستوى التعليم النظامي وتفاقم ظاهرة التسرّب الدراسي وإغلاق صفوف محو الأمية وتعليم الكبار، وحرمان الفتيات من التعليم في مناطق ريفية عديدة، فإن هذه النسبة قابلة للارتفاع على نحو مرعب.

 

هذا على صعيد الأمية الأبجدية فحسب، ناهيك عن الأمية الثقافية والسياسية والحقوقية والجمالية، وكذا الأمية الجديدة -بمنظور العالم اليوم- وهي الأمية التقنية التي تشير إلى العاجز عن التعاطي مع وسائط الاتصال وتقنية المعلومات الحديثة، باعتباره أميَّاً بالضرورة.

 

 وإذا أخذنا بهذا المعيار لتجاوزت نسبة الأميّة لدينا أكثر من 90% بكثير!

 

ثم انظر إلى المنهاج الدراسي الرسمي والسياسة التعليمية الرسمية، هل ترى ثمة ترغيبا وتشجيعا وتحريضا للطالب على القراءة - والقراءة الجادة بالذات - من قِبل المدرسة والبيت والمجتمع والدولة؟ الإجابة القطعية: لا.

 

كان العرب يضعون الكتاب في مرتبة رفيعة من الاهتمام والتوقير.. حتى جاء عصر صار فيه العربي إذا شرع في دخول المستراح، أخذ معه كتاباً للمؤانسة.. ثم بعد أن يشد ذراع السيفون، ينسى الكتاب هناك.

 

ومع تواتر الأيام وتعاقب الأجيال، صارت الكتب تملأ المراحيض.. أو صارت الأخيرة معارض دائمة للكتاب!

 

الأدهى حين تكون الثقافة مثلبة في نظر بعض قادة الدول والأحزاب التي تعج بالمثقفين الأصلاء.. وهنا تتجلّى الحقيقة المؤلمة في أن تحيا وتعمل تحت قيادة أرباع المتعلمين وأثمان المثقفين.. أما الأميُّون فقد وجدتهم - في أحايين كثيرة - مثقفين بحق.

 

في 1979 - وهذا مثال فحسب - استعرت أزمة سياسية بين رفاق النضال والسلطة في عدن، واتجهت السهام نحو عنق عبدالفتاح إسماعيل، وبالضرورة نحو المُقربين منه من الرفاق.

 

 يومها كان خصوم فتاح ينتقدون نزوعه الجامح إلى الثقافة والأدب والكتاب، وأنه يهدر وقته مع المثقفين والأدباء والكُتَّاب.. ولم يهدأ لهؤلاء بال إلاَّ بعد أن أزاحوه عن الحكم في 1980.

 

والحال لازالت هي الحال، لذا ستظل جذور الأزمة ومظاهرها هي ذاتها بالضرورة!

 

وعليك - صديقي العزيز - أن تتأمل البيئة جيداً، فإذا وجدت النهيق يستشري عبر موجات الأثير، فاعلم أن فيروساً قد أصاب البلابل بأنفلونزا حادة!

 

وفي الختام.. دعوة إلى البكاء بنكهة الابتسام: تم استدعاء مجموعة من الأساتذة للقيام برحلة في طائرة. وعندما أغلقت الأبواب وأوشكت الطائرة على الإقلاع، تم إعلامهم أن هذه الطائرة هي من صنع تلاميذهم، عندها هرع الأساتذة نحو أبواب الطائرة، محاولين الهروب والنجاة بأنفسهم، باستثناء أستاذ واحد كان يجلس في ثقة وهدوء شديدين. 

 

سأله أحدهم: لماذا لم تهرب؟ أجاب بثقة: إنهم تلاميذنا. سأله آخر: هل أنت واثق أنك درَّست لهم جيداً؟ رَدَّ بهدوء: أنا على يقين أنها لن تطير!

-------------------------

من صفحة الكاتب بالفيسبوك