فوضى المفاهيم

د. محمد مرشد الكميم
د. محمد مرشد الكميم
2022/06/20 الساعة 10:44 مساءً

 

 

يعتقد كثيرون أن كثرة مفردات اللغة وتعدد المرادفات فيها ثراء واتساع وتمكين لا محدود من التعبير، بينما يرى متخصصون في نظرية المعرفة كروجيه جارودي وفي علم اللغة ك... أن تلك الكثرة دليل على فوضى تكشف عن بدائية فهم المجتمع وحسية تصوره للعالم وتجزئته له، كما تكشف عن عجزه عن التجريد وضبط المفاهيم والتعبير عنها بدقة. 

 

لا أريد أن أدخل في جدل مع من يناصر الرأي الأول أو يشايع الرأي الثاني إذا ما عرف أن اللغة العربية كانت محل استشهاد في كلا الرأيين؛ فالفيصل في اقترابها من أحدهما سيكون في نجاحها من عدمه عند فحص قدرتها على التجريد والمفهمة وضبط حدود التصورات، ولأن مسألة الفحص الشامل صعبة وتحتاج إلى دراسات واسعة وعديدة، فسنكتفي هنا بعينات لا لنحكم على لغتنا بالسلب أو الإيجاب، وإنما لنأخذ فكرة عن المشكلة. 

 

واجهتني أثناء دراسة البكالوريوس مشكلة لم أجد لها تفسيرا إلا وأنا في مرحلة الدكتوراه؛ فحين درسنا مادة: النقد القديم وجدت كتاب الجاحظ: البيان والتبيين من الكتب المؤسسة والمصنفة ضمن النقد، وحينما درست مادة: تاريخ البلاغة وجدته مصنفا ضمن الكتب المصادر للبلاغة العربية، وحينما درست المصادر الأدبية وكتاب قديم وجدته مندرجا ضمن أمهات كتب الأدب، وكذلك الأمر نجد هذا التداخل الملبس يتجلى أكثر في قضايا درسناها على أنها ضمن النقد ودرسناها على أنها ضمن نظرية الأدب، بل إن هذا التداخل الملبس يتجاوز العربية وعلومها إلى الفلسفة وعلم الكلام؛ فقد وصل الخلط بينهما درجة بلغت حدود تسمية علم الكلام بالفلسفة الإسلامية. وللتأكيد على ذلك التداخل الملبس، يكفي أن تحاول تحديد مفهومي الأدب والعلم أو تفصل التشابك القائم بينهما في كتب التراث العربي!!

 

هذا التداخل لا يكشف إلا عن خلط وعدم وضوح في المفاهيم والتصورات التي تميز كل حقل من تلك الحقول عن غيره، بغض النظر عمن كان سببا في ذلك الخلط المتردد بين القدماء والمحدثين. 

 

إنك لن تجد هذا الخلط يبلغ درجة كبيرة من الفوضى عند الغرب؛ فقد كان واضحا -منذ أرسطو- أن البلاغة تساعد على إنتاج النصوص بينما النقد يحللها ويحكم عليها، وهذا ما لم يتم الفصل فيه عندنا بشهادة حمادي صمود في كتابه: التفكير البلاغي عند العرب، ومحمد العمري في كتابه: البلاغة العربية- الأصول والامتداد وفي غيره من كتبه، كما كان الفصل واضحا بين النقد ونظرية الأدب التي همها البحث عن ماهية الأدب ومصدره ووظيفته وغيرها من القضايا المتعلقة بتجريده وتعاليه حتى وإن لم تكن قديما تسمى بهذه التسمية، بينما تداخل النظري بالنقدي عندنا في أغلب كتب التراث. 

 

أما عن الأدب والعلم، فقد اتسعت دائرة مفهمة الأدب عندنا إلى درجة عد كتاب الحيوان من كتب الأدب، بل إلى درجة عد كل ما ليس داخلا في العلوم الدينية أدبا، وتوسع مفهومه أكثر أو ضاق أكثر حسب ما تمليه على المتأخرين ذريعة التطور؛ لأنهم لا يريدون أن يعترفوا بالفوضى العارمة في المفهمة، بينما تجد -في الغالب- مفاهيمه واضحة عند الغرب؛ لأن التنظير له ظل مستداما ومواكبا لتحولات مفهومه، ولكنه في تراثنا ظل شذرا مذرا يسعى الملفقون اليوم لتجميع شتاته وتلقط خطراته من هنا وهناك. 

 

وكذلك العلم، ستجده يتسع إلى درجة القول بعلم أو علوم العربية وعلوم الآلة...إلخ وإلى درجة الجمع بين العلم والأدب حينما يعرف الأدب عند بعضهم بأنه الأخذ من كل علم بطرف؛ فما العلم لديهم وما الأدب؟ 

 

ما دام العلم يتسع بتلك الصورة عند بعضهم ويضيق عند بعضهم الآخر حتى يقتصر على ما له علاقة بالشرع فقط، فقد عاش في تراثنا فوضى مفهومية إلى درجة تؤكد أن تصوراتنا عنه متعددة وغائمة ومبهمة وغير محددة، بخلاف ما هو موجود عند الآخر الذي صار أكثر ضبطا اليوم لمفاهيمه وتصوراته عن العلم وعن المعرفة، بل إن الأمر وصل به إلى درجة التفريق الدقيق بينهما. 

 

هذه الفوضى الخلاقة لمفردات ومصطلحات لا ينتهي سيلها تارة ويكاد يتوقف عند مفردة واحدة تارة أخرى، هي التي جعلتنا في نقدنا اليوم نخلط بين مفهوم الراوي ومفهوم السارد على سبيل المثال، وجعلتنا نطلق لفظ البحر على البحر والمحيط اللذين لا يطغى أحدهما على الآخر وكأن لهما مفهوما واحدا، كما جعلتنا نبحث عن سبعين اسما للكلب، فإن لم نجدها فنحن كلاب حسب المعري، وسيظل كل من لا يعرفها كلبا من وجهة نظره حتى لو بلغ الحريص على التخلص من هذه السبة وهذا العار الذي وصمه به المعري تسعة وستين اسما من أسمائه كالسيوطي؛ فالسيوطي الذي خاف أن تلتصق به تلك السبة خصص كتابا لذلك، ولكنه ظل -كما يؤكد عبد الفتاح كليطو- حاملا لوصمة الكلبية التي لحقت به وستلحق بكل من يعجز عن الإتيان بذلك العدد من الأسماء التي إن بالغنا وقبلنا بوجود فروق بينها إن وجدت، فلن تكشف إلا عن اختلافات جزئية محسوسة لا تطال التصور المفهومي المجرد للكلب بأي تغيير.