المقبرة التاريخية الكبرى للسياحة

سهير السمان
سهير السمان
2022/06/08 الساعة 09:39 مساءً

 
                                        
                                                 

الشرق الأوسط ....المنطقة التي تحولت إلى مزار سياحي مشهور، لمشاهدة الآثار التي مر عليها آلاف السنين، والكائنات الغريبة التي عفا عليها الزمن، ولاشك أننا نقف بفخر واعتزاز بأجدادنا الذين بنوا تلك الحضارات القديمة، فها هي كنوزنا من تماثيل وأحجار ونقوش وأدوات حجرية وغيرها تُعرض في المتاحف والمدن التاريخية. 


أما السائح القادم من العالم الآخر الذي اخترع اليوم كل شيء واكتشف وطور وبنى أنظمته المختلفة القائمة على التكنولوجيا، وعلم المعلومات،  لا شك أنه حين يقدم إلى بلدان الشرق الأوسط ليتعرف على منطقة ومجتمعات ليس لها إلا هذا التاريخ القديم، فيقف مندهشا ليس لتلك الآثار فقط بل لوجودنا نحن على ظهر هذا الكوكب!
فلا تستغربون لأنه يرانا كائنات منقرضة وهذه حقيقة، فلقد توقف بنا الزمن منذ مئات السنين، فنحن الآن فقط بالنسبة له مقبرة كبيرة للعرض، على جميع المستويات، حتى الفن والموسيقى وغيرها، فنون قد توقفت وشاخت، وما نعرضه للسياح، هي تلك الفنون المكررة والرقصات القديمة الفولكلورية والأزياء الشعبية، والأهازيج والأغاني والموالد والعادات والتقاليد في أفراحنا وغيرها. 
فالسائح لا يرانا سوى مقبرة كبيرة أو متحف أصبحنا نحن معروضاته، كائنات فقط تدور حول دائرة مغلقة، تبحث عن لقمة العيش للاستمرار والتكاثر فقط !
صحيح أن دول العالم المتقدم لديها أيضا تلك المزارات التاريخية والسياحية، ولكنهم لم يتقفوا عند حدود التاريخ الغابر، فالتاريخ بالنسبة لهم مرحلة لا يعولون عليها، فلاهم قاعدون يولولون مثلنا على تلك الأمجاد الغابرة، ولا يتخذون من آبائهم وأجدادهم رموزا للتقديس.
تحتار إذن حين تزور بلدانهم وأنت تشاهد المستوى العلمي الذي وصلوا إليه، تلك المؤسسات العلمية العملاقة، والاختراعات والصناعات المتنوعة، والمدن والطرق والمنشئات، والأنظمة السياسية والاقتصادية والإدارية، القوانين والتشريعات المتجددة المواكبة للمتغيرات. 
أما نحن مازلنا ننتج نفس مشاكلنا وأزماتنا، بل أننا نحافظ عليها ونشدها تعقيدا، عاجزون إلى الآن أن نختار من يحكمنا، ومن يحكمنا عاجز عن حل أبسط المشاكل، ننتظر الحل أن يأتينا من الخارج، ثم نقعد للتباكي والصراخ ونتهم الآخرين بالتآمر علينا. 


والأغرب من هذا كله، أولئك المهاجرون إلى دول التقدم والعلم، اللاجئون إليها من بلدانهم بسبب حروبهم وتفشي ظلم حكامهم ، المهاجرون إليها هؤلاء الذين يزدادون تشددا وتقوقعا على أنفسهم، العاجزين عن الانخراط في هذه المجتمعات خوفا على عادتهم وتقاليدهم، فأغلبهم هناك من أجل كسب المال فقط، أما العلم والتطور والتقدم فليس لهم علاقة به، فهؤلاء كفار مثواهم جهنم، حسب تفكيرهم. نسبة قليلة جدا من العرب يحققون نجاحا في الدول المتقدمة، وهي نسبة لا تشكل ظاهرة مجتمعية لدول الشرق الأوسط ليصبحوا فيما بعد أداوت تغيير قوية في بلدانهم إن عادوا إليها. 
فمتى وكيف سيكون البعث لهذه المقبرة التاريخية الكبيرة، فقد استحلى موتاها الموت.