القيْل القمندان وسؤال الألف عام

موسى عبدالله قاسم
موسى عبدالله قاسم
2022/06/06 الساعة 01:40 صباحاً


 

على مدار 1400 عام، أنشغل الكثير من المؤرخين اليمنيين بالتباهي بالفتوحات الإسلامية، والتغني بمحورية القبائل اليمنية في خوض غمار تلك الفتوحات، وانتصاراتهم، إلا أن لا أحد منهم ألقى البصر كرة أخرى إلى اليمن، وطرح السؤال الجوهري المُنتظر: ماذا استفاد اليمنيون كدولة وأمة لها إرثها الحضاري المتأثل من تلك الفتوحات ومن هجرات اليمنيين إلى خارج حدود بلدهم؟

 

هذا التساؤل الوطني الباذخ طرحه بحسرة وألم الشاعر والمؤرخ اليمني الكبير، القَيْل أحمد بن فضل العبدلي الملقب بالقمندان، في كتابه "هدية الزمن في تاريخ ملوك لحج وعدن"، كاشفاً عن سر غضب قريش ضد كل ما يتصل باليمن، وإمعانها في تحويلها إلى حديقة خلفية لاستحكامها، بعيدة عن أي وجود مدني حضاري بعد الإسلام، فيقول:

"لم يكن أحد من الخلفاء أو الملوك (الأمويون والعباسيون) يفكر في إعادة مجد اليمن، وتشييد سدودها، و إنهاض أهلها، بل كانوا يجتهدون في جمع الأموال من اليمن، وتحصيل الزكاة و الخراج، و أخذ الجنود، و انشغل اليمنيون بالفتوحات المجيدة المشهورة في التاريخ. و لم تستفد اليمن من مجد التمدن الإسلامي فائدة تذكر، ولم يتمكن اليمانيون من التفكير بأسباب سقوطهم لأن أمرهم بيد غيرهم من الحكام المستبدين."

 

هذا التشخيص العميق لما حل باليمن نابعٌ عن حرقة وطنية صادقة، وضمير وطني حيّ، يأبى قبول الضيم على بلد هو جزء من حضارتها وتاريخها السبئي الحميري، لذلك، واصل التعبير عن تلك الحُرقة بالحديث عن مآل اليمنيين الذين مزقتهم قريش بصراعتها البينية، ومذاهبها السياسية التقسيمية (الزيدية والشافعية)، التي غزت اليمن وشطرتها جغرافياً وديموغرافياً "واليمانيون إلى اليوم يتنازعون ويتعادون لمجرد الخلاف في أفضلية علي على أبي بكر، وهل يلعن معاوية أو يترضى عنه، وهل أنت ناصبي شافعي أم زيدي رافضي خامسي. فاشتغل أهل اليمن القحطانيون مئات السنين بهذه الترهات والسخافات، فتمكن الخلاف وتعذر الإئتلاف يقاتل بنو قحطان بعضهم بعضاً باسم المذهبية لإرضاء الحاكمين."

والمؤسف اليوم أن اليمنيين لايزالون ينصرفون إلى خوض معارك ونقاشات جدلية جانبية، خارج حدود معركتهم الحقيقة، وينسون معركتهم التوعوية التي تهم قضيتهم المركزية الأسمى، وهي استعادة دولتهم ونظامها الجمهوري، وطي صفحة الكهانة الهاشمية العنصرية في بلدهم!

هذا الأمر، له امتداد متجذر في التاريخ اليمني والذهنية اليمنية، شأنه شأن العُقدة اليزنية، ففي الوقت الذي كانت اليمن ترزح تحت الاحتلال الفارسي وهيمنة الدخلاء عليها، كان اليمنيون زعماءً وقبائلاً يهيمون في الجبال والصحاري والبحار، "لتحرير البلدان وأسلمتها"، وتوسيع سيطرة ونفوذ قريش تحت يافطة الفتوحات الإسلامية!

لقد تناسى اليمنيون تحرير أرضهم واستعادة أمجادهم، وراحوا يثبتون حكم بني أمية وبني العباس في مشارق الأرض ومغاربها! ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استوطنوا تلك البلدان وقطعوا وصلهم بموطنهم الأصلي وتركوا مُلك أجدادهم للمحتلين والدخلاء.
فكانت تلك الهجرات هي الإفراغ الحقيقي لليمن من قادتها وزعمائها المعوّل عليهم استعادة مجد اليمن الحمْيري، لا خرافة انهيار سد مأرب بالفأر "البوكلين" كما درج على ترديده الإخباريين.

في قصيدته الطويلة "مسافرة بلا مهمة"، نجد شاعر اليمن الكبير القيل عبدالله البردوني ينوح بألم على ما حل باليمن بعد هجرة قبائلها في الفتوحات، وكأنه فيها علقمة ذو جدن، نائح مجد سبأ وحمير الشهير، إذ يقول فيها باكياً وساخراً في آن:

من رآني خضت الفتوحات لكن
عدت منها إحدى السبايا الطريره

فارتقى (هاشم) و(مروان) ولّى
وهي ملغية الحساب .. هجيره

رحل النبع من جذوري فهيا
يا هشيم الغصون نتبع خريره

وإلى أين – يا منافي.. أخيراً..؟
وتشظت في كل منفى أجيره

هكذا ما جرى لأن بلادي
ثروة الآخرين، وهي الفقيره

هكذا أخبروا .. لأن بلادي
خنجر الآخرين وهي العقيره!

هذه النفثات الشعرية للشاعر البردوني سبق أن قالها القَيْل القمندان رحمه الله في ذات الكتاب السالف الذكر، وكأنه كان يتحدث عن واقعنا الراهن، حيث تحولت الكثير من قبائل قحطان إلى بندقية على كتف العصابة الحوثية الهاشمية "مسكينة قبائل قحطان، تفنى رجالها وتذهب أموالها وتسيل دماؤها وتخرب بلادها لنصرة الدعاة و المتهوسين، فمادت قحطان في الهبوط، وطال عليها القعود، فالثياب جلود، و في البلاد دمار، وفي السلع بوار، وفي الرزق إقتار."

ويضيف العظيم القمندان مشدوهاً لحال الإنسان اليمني وواقعه المُر، وكيف تحوّل إلى شبح منزوع الآدمية بعد أن جعلته قريش بفرعها الهاشمي كائنا مستلب العقل والروح والجسد "فهل يصدق من رآهم اليوم أن أجداد هؤلاء بنو قصورهم بالذهب الوهاج، وبالأحجار الكريمة، ورصعوا أبوابهم المصنوعة من العاج، وطبخوا طعامهم بخشب العود والصندل، وكانت أوانيهم وأثاثهم وموائدهم مما تبهر الألباب وتبعث بالعجب العجاب، فإلى متى هذه الغفلة؟ فيا سامع خفي البكاء إليك وحدك الشكاء ..!"

هذا الليل الطويل لن يبدده سوى حراك القومية اليمنية أقيال، بما يحمله من أهداف قومية يمنية خالصة، أساسها استعادة الإنسان اليمني عقلاً وكيانا ومجداً، ولا شك أن الغفلة التي تساءل عنها الراحل القمندان وعن طول بقائها في طريقها إلى الزوال، فأقيال اليمن قادمون من أقاصي صعدة وحتى منتهى المهرة، وحينها ستزول أيضاً حسرة شاعر اليمن الكبير عبدالعزيز المقالح وهو يتساءل عن مجد اليمن وبقية أقياله الباقية:

أين اليمانيون من تركوا على
وجهِ الزمان سناءَهم مجدولا

لم يبقَ منهم في البلاد بقيةٌ
رحلوا سيوفاً في الدُّنى وخُيولا