النقد التكفيري

د. محمد مرشد الكميم
د. محمد مرشد الكميم
2022/01/08 الساعة 03:36 صباحاً

 

 


أعلم أنه لا وجود لنقد يحمل هذه التسمية، ولكن بمقدورنا أن نؤكد وجود تراكم ملفت لتناولات عقائدية تعرضت لنصوص إبداعية: شعرية أو نثرية أو سردية أو لأصحابها بأحكام أدخلت دائرة النقد الأدبي حسب ظن قراء تلك التناولات إن لم أقل حسب ظن أصحابها أنفسهم.
مثل هذا النقد أخذ من المعنى التقليدي لتعريف النقد جزئية أنه (حكم قيمة)، وأطلق العنان لأحكام القيمة، فجعل يحاكم النصوص الإبداعية بقيم الحق والباطل والخير والشر مع أن المقصود به في النقد الأدبي محاكمتها بقيم القبح والجمال إن أردنا التقييم أو بقيم الصواب والخطإ إن أردنا التقويم.
لقد أدرك النقد الأدبي في التراث العربي ما يجب أن يستثمره من القيم؛ لكي يحكم بها على النصوص الإبداعية، ولكن تدخل السياسي من جهة والفقيه أو المتدين من جهة أخرى، هو الذي شوه كيفيات تقييم تلك النصوص وأدخل على النقد أحكاما يجب أن تكون موجودة في مجالات أخرى سياسية أو دينية تحاكم بها نصوص غيرها.
إن تداخل قيم الحكم تلك أوجد تداخلا بين الناقد والفقيه أو بينه وبين السياسي أو بين مهام كل منهم؛ لذا لا غرابة إن وجدنا في تراثنا من فسق عمر بن أبي ربيعة وزندق أبا نواس وصالح بن عبد القدوس وابن هانئ والمعري وكثيرا ممن جاؤوا في: (ديوان الزنادقة) وغيره من المؤلفات.
وبما أن التكفير الصريح ليس ببعيد عن تلك المصطلحات، فقد وجدنا من كفر المتنبي صراحة على جملة من أقاويله الشعرية التي منها:
(يترشفن من فمي رشفات
هن عندي أحلى من التوحيد)
وهذا أمر طبيعي حينما يتم الدخول إلى النقد بأدوات الفقه ويستخدم الجهاز الفقهي على أساس أنه جهاز نقدي.
وبالرغم من تطور الوعي النقدي واختلاف مفاهيمه واتضاح مهام المجالات المختلفة وتحدد اختصاصاتها، فما زلنا، إلى اليوم، نجد أحكام التكفير تطارد النصوص الإبداعية مع أصحابها في الفضائين: الإسلامي  والعربي، ولم يسلم الفضاء اليمني بالذات من وجود فتاوى تكفيرية أو صدور أحكام بكفر هذا أو ذاك من المبدعين اليمنيين الذين لسنا بصدد إحصائهم وعدهم للقارئ الكريم، ولكننا بصدد مناقشة من يصدر هذه الأحكام التكفيرية باسم النقد، والنقد بعيد كل البعد عن هذه المهمة.
قد نتفهم منطلقات التكفير ومرجعياته التي جعلت الفقيه أو المتدين يفتي أو يحكم بالكفر على نص ما أو على صاحبه، دون أن نوافقه على ذلك، ولكننا لا نتفهم ولا نوافق من يكفر نصا أو صاحبه تحت يافطة النقد أو الناقد؛ لأن من يصنع ذلك يحتاج، بلا شك، إلى إعادة النظر في مفهومه للنقد، هذا إن لم أقل إنه محتاج لإعادته في مفاهيم أخرى.