يُعد عهد المُظفر يوسف أزهى عصورها.. الدولة الرَّسولية.. استقرارٌ لا يتكرر

بلال الطيب
بلال الطيب
2021/11/28 الساعة 09:23 مساءً

 

 

لم يَنعم اليمن السَّعيد – مَجازًا – بالاستقرار السِّياسي طيلة القرون الفائتة، تَعاقبت عليه كثير من الدول، وفشلت معظمها في تحقيق ذلك الاستقرار؛ إمَّا لبروز دول أخرى مُنافسة، كانت دولة الإمامة الزيدية التي تأسست سنة 897م أبرزها، أو لتفاقم الخلافات الأسرية بين أمراء الدولة الواحدة، أو لوجود تمردات قبلية صادمة، بالإضافة إلى أسباب أخرى كثيرة يطول الغوص في تفاصيلها.

صحيح أنَّ عددًا محدودًا من حكام تلك الدول كان لهم توجه للإصلاح وخلق ذلك الاستقرار، إلا أنَّ أسبابًا خارجة عن إراداتهم أدت لفشلهم، باستثناء السلطان الرسولي الثاني المُظفر يوسف بن عمر، تغلب الأخير على تلك الأسباب القاهرة التي سبق أنْ ذكرنا أبرزها، وأوجد من الصفر دولة قوية، وعلى ذات النهج – وإلى حدٍ ما – مضى بعض من أتى بعده من سلاطين، وقبل استعراض ذلك التحول اللافت نُعطي لمحة موجزة عن أبرز حكَّام اليمن الذين سبقوا حكم ذلك السلطان الاستثنائي ودولته الاستثنائية.

استقرارٌ نسبي
بعد أكثر من نصف قرن من عمر دولة الإمامة الزّيدِيّة، حاولت الدولة العباسية أنْ تُمسك بِزمام الأمور، سيطر ولاتها الزياديون واليعفريون على أغلب المناطق، ليندمجوا فيما بعد في إطار دولة واحدة عاصمتها زبيد، بقيادة حسين بن سلامة النوبي أحد موالي آل زياد، لتتناثر البلاد بعد وفاة الأخير إلى ولايات وحصون مُتناحرة 1012م، ولم يمض من الوقت الكثير حتى سطع فجر الدولة الصُّليحية من أعالي جبال حَرَاز نوفمبر 1047م.

لم يأتِ عام 1063م إلا وقد حقَّق مُؤسس تلك الدولة علي بن محمد الصليحي حلمه، وكوَّن دولة قوية تجاوزت اليمن كله حتى مكَّة المُكرمة. كانت صعدة آخر فتوحاته، أخذها من أحد الأمراء الإماميين، ووحَّدَ بذلك اليمن للمرة الثانية في تاريخها، وذلك بعد توحدها الأول في العصر الحميري الثالث، إلا أنَّ تلك الوحدة وذلك الاستقرار النسبي انتهى بعد أربع سنوات بمقتله على يد النجاحيين أكتوبر 1067م.

والحق يُقال أنَّ ملوك الدولة الصليحية الثلاثة (علي الصليحي، والمُكرم أحمد، وسيدة بنت أحمد) أعادوا لليمن مجده الحضاري، ودوره الريادي، وأوجدوا – رغم عدم توقف الصراعات والتمردات – نوعًا من تعايش مذهبي، وتجانس سكاني، وصار اليمنيون إلى حدٍ ما سواسية، في ظل دولة قوية، سادها العدل والتسامح، وجاب صيتها الآفاق.

بعد انتهاء الدولة الصليحية بـ 36 عامًا، قَدِم الأيوبيون بِقيادة توران شاه بن أيوب إلى اليمن مايو 1174م، قضى الأمير الأيوبي في أقل من عام على جميع الدويلات المُتصارعة؛ ليخلفه بعد رحيله أخوه الأقوى طُغكتين، قدِمَ الأخير إلى اليمن بحملة كبيرة ديسمبر 1183م، وابتنى مدينتي تعز والجَنَد، واتخذهما مقرًا لحكمه، ونجحَ بعد سبع سنوات من مقدمه في توحيد اليمن للمرة الثالثة في تاريخها، بعد حروب وخطوب مع مُعارضيه، لتنتهي تلك الوحدة وذلك الاستقرار النسبي بوفاته بمدينة الجَنَد سبتمبر 1197م.

رخاء غير مسبوق
كامتداد للدولة الأيوبية التي استمرت قرابة الـ 59 عامًا، أسَّسَ عمر بن علي رسول الدولة الرسولية 1231م، اتخذ من مدينة تعز عاصمة له، وضرب السكة باسمه، وأعلن ولاءه للدولة العباسية، وإليه أرسل الخليفة العباسي المُستنصر أبو جعفر بمرسوم توليته، وعنه قال الخزرجي: «وكان السلطان نور الدين ملكًا كريمًا، حاذقًا حليمًا، حسن السياسة، سريع النهضة عند الحادثة، وكان شريف النفس عالي الهمة، فارسًا شجاعًا مقامًا».

كان والد السلطان عمر قد قدِم مع حملة طُغكتين السابق ذكرها، أظهر – أي الأب – وأولاده الأربعة إمكانيات إدارية وعسكرية، فأسند الأيوبيون لهم العديد من المناصب الإدارية؛ الأمر الذي أدى إلى بروزهم تدريجيًا في الساحة اليمنية، وكانوا بالفعل دعامة حكم تلك الدولة، وكان عُمر اليد اليمنى للمسعود يوسف بن الكامل محمد آخر ملوكها.

كانت حينها الإمامة الزّيدِيّة مُنكمشة بفعل الضربات المُوجعة التي تلقتها من الأيوبيين، وكان لها إمام – وقيل مُحتسب – يُدعى أحمد بن عبد الله بن حمزة، تولاها نهاية عام 1226م، وذلك بعد وفاة النَّاصر عز الدين محمد، كان كأخيه في غايةِ الضَّعف، ولم تتجاوز صفته كزعيم للحمزات.

أقام السلطان عمر ومن تبعه من سلاطين دولة قوية، وبنوا حضارة عظيمة، وأسسوا جهازًا إداريًا ناجحًا، بعد أنْ جعلوا في أيديهم جميع الوظائف السياسية، وأسندوا الوظائف الإدارية إلى العلماء والمُختصين، اختاروا الأخيرين بعناية فائقة، واستقدموا بعضهم من مناطق بعيدة، وأغدقوا عليهم، واستفادوا منهم – إلى جانب الوظائف السَّابق ذكرها – أيما استفادة، وذلك في تعليم وتثقيف أبنائهم، وتنشئتهم على حب العلم والمعرفة، وإكسابهم القيم الإنسانية النبيلة.

ونتيجة لذلك؛ شهدت اليمن في عهد بعض أولئك السلاطين استقرارًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا لم تشهده من قبل، وحظيت باحترام وتقدير الدول الأخرى، وتوافدت عليها السفارات تخطب ودها، وتمتعت برخاءٍ اقتصادي غير مسبوق، واخضرت مزارعها وحدائقها الغناء بِمُختلف الفواكه والحبوب والخضروات، والنباتات الطبية التي تم استجلاب معظمها من مصر والهند، وازدانت حواضرها بالمآثر العمرانية البديعة من مساجد ومدارس وقصور، والتي ما تزال بعض معالمها رابضة ببهاء إلى اليوم.

بالعلم تبنى الأمم، وتزدهر الحضارات، وهذا ما أدركه سلاطين بني رسول جيدًا، وكامتداد لأسلافهم (الأيوبيين) عمل معظمهم على إنشاء المدارس في المدن والقرى الخاضعة لحكمهم، وخصصوا لها وقفيات تقوم بسد الاحتياجات المادية لها وللمرتبين فيها، وصار التعليم بذلك للخاص والعام، ونبغ بفعل ذلك كثيرٌ من الأعلام، واكتظت المكتبات بمئات المُصنفات.

وبسبب هذه الانجازات الحضارية وغيرها؛ عُدَّت الدولة الرسولية – كما أفاد المُؤرخ إسماعيل الأكوع – من أبرز دول اليمن، وأخلدها ذكرًا، وأبعدها صيتًا، وأغزرها ثراءً، وأوسعها كرمًا وإنفاقًا. شهدت في عهدها معظم مناطق اليمن تطورًا لافتًا في مختلف المجالات، وكان عصرها بحق أزهى فترات الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى، تعاقب على حكمها 16 سلطانًا، وكان معظمهم على درجة عالية من العلم والثقافة، ولولا ذلك ما سادوا وسادت دولتهم الفتية لأكثر من قرنين وربع القرن من الزمن.

التُبَّع الأكبر
يعد عصر السلطان المظفر يوسف بن عمر العصر الذهبي للدولة الرسولية، اتسم عهده – الذي دام 46 عامًا – بالاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، وبلغت الدولة في عهده أوج قوتها، وأقصى اتساع لها، وكان عصره بشهادة كثير من المُؤرخين أسمى عصور اليمن ثقافة، وأكثرها ازدهارًا بالعلم، وأرحبها وأوسعها عطاءً وإغداقًا على النتاج العلمي.

بدأ المظفر يوسف عهده كأبيه من الصفر، تولى الحكم بعد مقتل الأخير فبراير 1250م، وبعد أن دارت بينه وبين بعض أقربائه حروب وخطوب، احتوى خطرهم، وأقره الخليفة العباسي المستعصم عبدالله نائبًا له عن اليمن، لتشهد الأخيرة في عهده ازدهارًا في شتى مناحي الحياة، وكان بالفعل تُبَّع زمانه.

إلى جانب تمرسه في إدارة الدولة، وحسن تدبيره، كان المُظفَّر يوسف طبيبًا، وفقيهًا، وخطيبًا، وجوادًا بذَّالًا للأموال، خاصة في الحروب، محبًا للرعية، ومحسنًا لهم، يهاب العلماء، ويجزل لهم العطاء، ويجيب دعوتهم، ومن مآثره مدرسة بتعز، وجامع عدينة (المظفر)، ودار الضيف، والخانقة بحيس، وجامع المهجم، وجامع واسط المحالب، ومدرسة بمدينة ظفار الحبوظي.

«النبي الأعزل مَهزوم دائمًا»، حكمة ميكافيللية استشعرها المُظفر يوسف منذ البداية، فعمل جاهدًا على بناءِ جيشٍ قوي، استقدم لأجل تدريبه الخبراء المماليك، فكان ذلك الجيش مَصدر عظمة الدولة، وأساس هيبتها، وبفضله أوجد السُّلطان الرسولي الأقوى دولة قوية، وكسر شوكة أعدائه الإماميين وغيرهم، بالقوة حينًا، وبالاستقطاب النَّبيل أحايين كثيرة.

توارث الإماميون الحقد والعداء ضدَّ دول اليمن المُتعاقِبة، وضد الدولة الرسولية على وجه الخصوص، وقد تقوى خلال الأربع السنوات الأولى من حكم المُظفر يوسف أمر أحمد بن الحسين أحد أشهر أئمتهم، سيطر الأخير على صنعاء ثلاث مرات، وحارب السُّلطان الرَّسولي وصالحه، ونقض الصُّلح معه أكثر من مرة، رغم اعترافه به حاكمـًا على المناطق الشمالية.

استعاد السلطان الرسولي بعد ذلك زمام المبادرة، استعاد صنعاء، وسيطر على صعدة، واحتوى مُعارضي ابن الحسين من بني عمومته الحمزات، واستطاع الأخيرون بدعم منه كبير القضاء على ذلك الإمام، قتلوه بشُوابة ذيبين مارس 1258م، ومثلوا بجثته، وحزوا رأسه، وأرسلوه – كما قيل وهو قول غير أكيد – للمُظفر يوسف، وقد ظل ولائهم للأخير بعد ذلك مُتذبذبًا، وتجرع منهم الويلات.

طوال فترة حكمه، بادل المُظفر يوسف إساءات الإماميين بالإحسان، وكان دائمًا ما يمدُّ يده للصُّلح، ويسعى لوحدةِ الصَّف، رغم طعنهم إياه من الخلف! تعاملوا مع حزْمه ولينه بخسة، نقضوا العهود والمواثيق، وسعوا بكل الوسائل لاختطاف الحكم والحلم، وكان عاقبة كذبهم وخداعهم مَزيدًا من الذُل، مَزيدًا من الانكماش، مزيدًا من الصراعات البينية الدامية.

بعد هزيمتهم المُنكرة في معركة “أفق” بعنس، وأسر إمامهم المهدي إبراهيم بن تاج الدين أكتوبر 1275م، عاش الإماميون – بشقيهم الحمزي والهادوي – لحظات عصيبة، فيها الكثير من الضعف والتخبط، راسلوا المُطهَّر بن يحيى، واستدعوه من حصنه تنعم في خولان العالية، ونصبوه في حصن حضـور ببني مطر إمامًا، بدعم وتحشيد من الأمير داؤود بن عبدالله بن حمزة.

فرَّق المُظفَّر يوسف بدهائه شملهم، صالح الأمير داؤود، وتفرغ لمحاربة قريبه الأمير علي بن عبدالله، وأجبر الأخير على الاستسلام فبراير 1278م، بعد أن اشترى ولاء داعمه الرئيس الإمام الهادوي المُطهَّر بـ 100,000 دينار، وقد ظل الأمير المُستسلم على ولائه للرسوليين حتى وفاته.

تفاقم بعد ذلك الصراع الحمزي – الحمزي، وخفت ذكر الإمام المطهَّر، تخلى عنه أنصاره، وسخر بعضهم منه قائلين: «صمّي صمام، لا خلف ولا أمام!»، وفي المُقابل ظلت علاقة السلطان الرسولي مع الجميع قائمة، وكلما استقوى أحدهم لجأ الطرف المُنكسر إليه، طالبًا معونته.

لم يعاملهم المُظفَّر يوسف بالمثل؛ بل كان دائمًا ما يسعى للوفاق بينهم، أو يكتفي بتقديم المساعدات المالية لمن لجأ منهم إليه، والأهم من ذلك أنَّه استغل مُسالمتهم له، وانشغالهم عنه، ووجه حملاته العسكرية صوب ظفار 1279م، وبالسيطرة على الأخيرة تمكّن من توحيد اليمن للمرة الرابعة في تاريخها.

بعد فتح مدينة ظفار، عاشت الدولة الرسولية فترة استقرار محدودة لم تتكرر، وهابت سلطانها المُظفر – كما ذكر الخزرجي – ملوك الهند والصين وفارس، وأخذ قادة الدول يرسلون إليه هدايا الصداقة، وحين منع ملك الصين رعاياه المسلمين من الختان، استنجدوا به، راسل ملكهم، فرفع الأخير عنهم المحظور من فوره.

لم يكن المُظفر يوسف مُنعزلًا عن مُحيطه العربي والإسلامي، وذكر المُؤرخون أنَّه كان له في مصر 500 فارس يقاتلون الإفرنج مع إخوانهم المصريين، وأنَّه – أي المُظفر – كان يحمل نفقاتهم وعتادهم من اليمن، غير ما كان يحمله لسلاطين القاهرة من أصناف الهدايا والتحف.

لم تنعم اليمن بذلك الاستقرار السياسي طويلًا، وما هي إلا سنوات معدودة حتى عاود الإماميون تمرداتهم؛ فأرسل المُظفر يوسف ولده الأشرف عمر إلى صنعاء 1294م، فأطاعته القبائل، «ولم يبق مؤالف ولا مخالف إلا وتاق لخدمته»، حد توصيف صاحب (السمط الغالي)، فكان لذلك أثره في التمهيد لصلح جديد، وهو ما تحقق أواخر ذات العام.

بعد تسعة أشهر من توقيع ذلك الصلح، توفي بمدينة تعز المُظفر يوسف يوليو 1295م، عن 74 عامًا، وفيه قال الإمام المُطهَّر: «مات التُبَّع الأكبر، مات معاوية الزَّمان، مات من كانت أقلامه تكسر سيوفنا ورماحنا!».

أوضاع مضطربة
تولى الأشرف عمر حُكم الدولة الرسولية بوصية من السُّلطان الرَّاحل، إلا أنَّ القدر لم يمهله، توفي بعد عام وبضعة أشهر، فخلفه أخوه المُؤيد داؤود، كان الأخير حازمًا كأبيه، سيطر على الأمور، واستعاد بعض الحصون التي سبق للإماميين أنْ أخذوها بعد وفاة أبيه وأخيه.

على الرغم مما اتسمَ به عصر المؤيد داؤود من حركات التمرد، إلا أنَّه كان جبارًا لا يكل ولا يمل من تتبع خصومه، تمكّن من التصدي لتلك التمردات، وإقرار الأمن النسبي للدولة، وعزز ذلك بالنهوض بالحركة العلمية، وبناء المنشآت العمرانية، وإليه تنسب المدرسة المؤيدية في تعز، وقصر المعقلي بثعبات، بالإضافة إلى أنَّه أسهم في النهضة العلمية بإكرام العلماء، وتشجيعهم علـى بذل العلم والمعرفة والتأليف، وكان مُشاركًا لهم في ذلك، وحوت مكتبته 100,000 مجلدًا.

بوفاة المُؤيد داؤود ديسمبر 1321م، وتولي ولده المُجاهد علي ذو الـ 15 ربيعًا الحكم، دخلت الدولة الرسولية مرحلة التيه والضعف؛ كون سلطانها الجديد صغير السن، وبلا خبرة سياسية، والأسوأ من ذلك أنَّه كان سيء الظن، سادي الانتقام، أقصى أعوان أبيه، على حساب حاشية دخيلة أرادت أنْ تحكم باسمه، وهمش بني عمومته، فكانت تمردات الأخيرين عليه صادمة.

تقوت في المُقابل دولة الإمامة الزّيدِيّة، وتحولت من الدفاع إلى الهجوم، واستولى إمامها الهادوي محمد بن المُطهَّر على صنعاء أغسطس 1323م، وأنهى في العام التالي سيطرة الرسوليين على مُعظم المناطق الشمالية، وأفاد الدكتور محمد عبد العال أنَّ سلاطين بني رسول منذ عهد المجاهد قد تحاشوا بقدر الإمكان الدخول في صراع مع الإماميين، في حين لم يفوت الأخيرون أي فرصه تسنح لهم للتوسع على حساب الدولة الرسولية.

تجمع المصادر التاريخية أنَّ أحوال الرعية تغيرت في السنوات الأخيرة من حكم المُجاهد، وأصبحوا في رغدٍ من العيش، وسعة في الرزق، وأنَّه – أي المُجاهد – كان له دورًا كبيرًا في إقامة العديد من المآثر العمرانية داخل اليمن وخارجها، كما قام بتسوير مدينة ثعبات التي بناها والده، وترميم مدينة زبيد، وعمارة أبوابها وممراتها، وأنشأ في مكة مدرسة نُسِبت إليه، والأهم أنَّه كان كأسلافه مُحبـًا للعلم والعلماء، وكانت له مشاركة في التَّأليف والتصنيف.

تولى ولده الأفضل عباس الحكم بعد وفاته مارس 1363م، وارثًا تلك الأوضاع المضطربة، وانفتح له – حد توصيف الـمُؤرخ الخزرجي – في كل ناحية باب فساد، إلا أنَّه لم يستسلم لليأس، كان يقظًا حازمًا، وكانت حياته شُعلة من الحيوية والنشاط المستمر في جميع الجوانب السياسـية والعسكرية والعلمية، اهتم ببناء الجيش، وعمل بكل ما أوتي من عزيمة وصبر وقوة على تهدئة الأوضاع المضطربة، أعاد السيطرة خلال الثلاث السنوات الأولى من حكمه على كثير من المناطق التهامية التي سبق أن سيطر عليها قبل عامين من توليه الحكم أحد المُتمردين.

كما عانا الأمرين من إمام الزيدية الهادوي صلاح الدين محمد بن علي الذي تولى الحكم خلفًا لأبيه سبتمبر 1372م، والأخير بشهادة كثير من المُؤرخين كان مُغامرًا مُتهورًا، استغل ضعف الدولة الرسولية، وكثرة الخونة والمُتربصين من حولها، ووحَّد القبائل الشمالية، وأمن جانبها، وقادها ووجهها صوب المناطق الوسطى وتهامة، ناقلًا الصراع إليها، مسجلًا فيها فُصولًا سوداء من القتل والتدمير والنهب، مُكملًا ما بدأه أبوه وبصورة أشد فظاعة، وقد باءت جميع محاولاته في احتلال تلك المناطق بالفشل.

توفي الأفضل عباس مطلع العام 1377م، فخلفه ولده الأشرف الثاني إسماعيل، ذو الـ 17 ربيعًا، اضطر الأخير إلى خوض عدد من المعارك لإصلاح ما أفسده الدهر، وكان عهده أكثر استقرارًا من سلفه، تمامًا مثلما كان عهد والده أكثر استقرارًا من عهد جده.

كان الأفضل في بداية عهده طائشًا مُقبلًا على اللهو، ثم مال الى الجدية، وعمل على إخماد تمردات قبيلة المعازبة التهامية التي عانت منها الدولة الرسولية الكثير، أجبرها على الاستسلام، وأخذ منها رهائن الطاعة، كما كانت له حروب وخطوب مع إمام الزيدية صلاح الدين محمد، ولم تنعم دولته بالاستقرار إلا بعد وفاة الأخير أكتوبر 1391م.

أصبح الأشرف إسماعيل الكريم المهاب صاحب الكلمة النافذة في البلاد، وأعلنت معظم القبائل الزّيدِيّة خاصة تلك القريبة من حدود دولته ولاءها له، وكذلك فعل بعض الحمزات، أرسل جميعهم وفودهم إليه، ونالهم من عطائه الكثير.

كما استغل الأشرف إسماعيل الصراع الزيدي – الزيدي، وحاول أكثر من مرة السيطرة على ذمار، وحين فشل؛ اكتفى بالسيطرة على رداع بواسطة نائبه في تلك الجهة الشيخ طاهر بن عامر (جد الطاهريين)؛ الأمر الذي أجبر إمام الزيدية علي بن صلاح الدين على أنْ يُرسل إليه بهدايا الصداقة مارس 1397م.

يُعد الأشرف إسماعيل آخر سلاطين بني رسول الأقوياء، وهو – كما أفاد المُؤرخ الجرافي – آخر ملوك بني رسول ذوي الصولة والرياسة، ومن مآثره إنشاء مدرسة الأشرفية التي ما تزال معالمها بارزة إلى اليوم، وإليه أيضًا تُنسَبُ منطقة أحوض الأشرف، حيث بنى فيها أحواضًا للماء تشرب منها الحيوانات، وحرفت التسمية وصارت (حوض الاشراف).

وقبل توليه الحكم بعامين قدِم إلى اليمن (زبيد تحديدًا) العالم الشهير محمد بن يعقوب الفيروزآبادي 776هـ / 1393م، صاحب (القاموس المحيط)، بالغ الأشرف عمر في إكرامه، وقلده منصب القضاء العام. كما زار اليمن في عهده المُحدث الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وعرض عليه منصب القضاء العام.

توفي الأشرف عمر نوفمبر 1400م، فخلفه ولده الناصر أحمد، وكان عهد الأخير مُستقرًا نوعًا ما، وذكر بعض المُؤرخين أنَّه وجه نشاطه بداية عهده إلى المناطق الشمالية، كما قام بدعم مُعارضي الإمام علي بن صلاح الدين من الحمزات والإسماعيليين على السواء، استقبل وفودهم كوالده أكثر من مرة، وأغدق عليهم بأعطياته السخية.

أولى الناصر أحمد الحركة العلمية بصفة عامة، والمدارس بشكل خاص اهتمامًا كبيرًا، وشيد عددًا منها، وتعهد الموجود منها بالترميم والإصلاح، وإليه تنسب المدرسة الناصرية في مدينة إب، كما أكرم العلماء، وأجزل لهم الأعطيات.

بوفاة الناصر أحمد إبريل 1424م، بدأ نجم الدولة الرسولية بالأفول، حيث تولى زمام حكمها سلاطين ضعاف كالمنصور عبدالله بن الناصر أحمد (1424 – 1427م)، والأشرف الثالث إسماعيل بن الناصر أحمد (1427 – 1428م)، والظاهر يحيى بن إسماعيل بن العباس (1428 – 1439م)، والأشرف الرابع إسماعيل بن الظاهر يحيى (1439 – 1442م)، والمظفر الثاني يوسف بن عمر بن إسماعيل (1442 – 1450م)، ومنافسوه من زبيد (سلاطين المماليك) المفضل محمد بن إسماعيل بن عثمان (1443م)، ثم الناصر الثاني أحمد بن يوسف (1443م)، ثم المسعود صلاح الدين بن الأشرف (1443 – 1452م)، ثم المؤيد حسين بن الظاهر يحيى (1451 – 1454م).

عصفت الصراعات الأسرية خلال تلك الحقبة بالدولة الرسولية، ودبَّ الضعف في أوصالها، وكان للمماليك (وهم أجناد من الرقيق دأب سلاطين بني رسول الأوائل على استقدامهم) دورًا بارزًا في صناعة ذلك التحول المُريع، عملوا على زعزعة الاستقرار، وبحثوا خلال العقد الأخير من عُمر تلك الدولة عن أمراء رسوليين – سبق ذكر أسمائهم – ضعاف، ونصبوهم من زبيد سلاطين، وعاثوا باسمهم في المناطق التهامية نهبًا وخرابًا.

كان المسعود صلاح الدين بن الأشرف ذو الـ 13 ربيعًا أبرز أولئك السلاطين، نصبه المماليك سلطانًا بعد أنْ قاموا بعزل النَّاصر الثاني أحمد يوليو 1443م، استعاد بمساعدتهم التهائم، ثم توجه صوب عدن، استعادها هي الأخرى، ثم توجه إلى تعز لمحاربة المُظفر الثاني يوسف، أجبر الأخير بعد حروب وخطوب على التخلي عن السلطة 1450م، إلا أنَّه – هو الآخر – لم ينعم بها طويلًا؛ تخلى عنه أنصاره، وسبق ذلك استفراد المماليك بأمر تهامة، وتنصيبهم للمُؤيد حسين بن الظاهر يحيى سلطانًا نوفمبر 1451م.

أمام تلك المُتغيرات المُتسارعة، وجد الطاهريون – ولاة الرسوليين على رداع – الفرصة مواتية لوارثة الدولة والحكم، دخلوا عدن يوليو 1454م، وأسروا المُؤيد حسين، ونفوه إلى مكة، فابتدأت من هناك دولتهم، وغربت في المُقابل شمس الدولة الرسولية.

 صفحة الكاتب بالفيسبوك