أحمد هائل سعيد.. عطاء ما بعد الموت !!

عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
2021/05/09 الساعة 12:52 صباحاً

 

 

أوائل صيف ١٩٩١ م التقيته صدفة في حي الجحملية الراقي بتعز , يبدو شاباً في منتهى التواضع والحياء .. قال لي والده رحمه الله بعد أن طلب منه تسوية متكأ قيلولة الضيف(أنا) .. هل تعرف من هذا.. فأومأت بالنفي .. قال الراحل الورع أحمد هائل سعيد أنعم : هذا هو أِبني شوقي.. وأضاف يدرس صناعات غذائية في ماليزيا, وحالياً في إجازة فصلية.. فاندهشت من تواضع الشاب الرشيق المميز الرأس بشامة شعر بيضاء, وهو يرحب بابتسامة سخية تلقائية بضيف العائلة القادم من عدن.. ثم ناول والده كتاب ((أنبياء الله)) للكاتب المصري الشهير أحمد بهجت ليضع عليه توقيع إهداء شخصي باسمي .. وما عرفت إن قراءة ذلك المؤلف الديني الثري ستفعل أثرها في وجداني وتعميق ما نقص من الروحانيات الإيمانية, بخفض درجة الجلافة وترقيق المشاعر وإعادة صياغة انفعالات اللحظة وتهذيبها.

قال لي الفقيد الكبير أحمد هائل أحسن الله مثواه : ذكرتك في مكة هذا العام ودعوت لك من كل قلبي)) فابتلعني الديوان الذي كنت فيه معه مع الأستاذ شوقي, ثلاثتنا فقط.. فرغم تربيتي العائلية الدينية الملتزمة في عدن, إلا أن مناخات عدن في تلك الفترة وقبلها لا تمنح الشخص المكملات الروحانية كمثل أغداقها في الدنيويات !!.

عادة تكون النقلات الأخلاقية للناس عن مواقف ودروس جديدة مكتسبة.. وفي الدين لا نحتاج إلى مواعظ كثيرة لتهذيب نفوس الآخرين بل إلى قدوة حسنة في المسلكية والصدق.
كان الأستاذ الفقيد أحمد هائل من أئمة الصالحين والمتقين الورعين((واجعلنا للمتقين أماما)).. كتلة إنسانية مؤثرة, في ابتسامته صَدَقَة, وفي قوله ورع وتقوى وإنصاف, وفي إنفاقه وعبادته ابتغاء وجه الله.. ومثله أخوه التقي النقي الأستاذ عبدالجبار هائل سعيد نسمة السخاء والعطاء بلا حدود ولا مَنّ ولا سلوى.
سألني الراحل الكبير أحمد هائل طيب الله ثراه وكانوا بعد وحدة ٢٢ مايو مباشرة بعيدين نوعاً ما عن عدن : هل تعرف أسراً فقيرة في عدن, أرفق أسمائها في كشف مع عناوينها ؟
قلت له : نعم سيدي توجد في عدن وفي تعز أيضاً.
ولم يكن فقر تلك الأيام بضراوة ما نعرفه اليوم, ولا قلوب الناس بقساوة ما هي عليه الآن.
ومرت ٣ أيام فقط ليطلب مني هاتفياً موافاته بصور البطاقات الشخصية وأرقام الهواتف إن وجدت, بعد رفعي إليه بعدة عائلات فقيرة, فقدت عائلها, أو بدخل محدود.
واستمر بعض العائلات يستلم مساعدات جمعية هائل سعيد أنعم الخيرية إلى اليوم لعدة عقود رغم تحسن وتبدل أحوال أفرادها.

كان الراحل الكبير ولي الله أحمد هائل سعيد بداية تعارفنا يهاتفني من تعز لمرافقته أحياناً في جولاته التفقدية للإطلاع على سير إعادة بناء مساجد عدن التي لفها الإهمال من قبل لوقت طويل.. وكان يتنقل ما بين كريتر والتواهي والمنصورة بدون مواكب ولا مظاهر, حيث أعيد بناء بعض مساجدها من الصفر وبجمالية وفخامة بناء تحمل بصمات وروحانية آل السعيد وحدهم .. ولا يرتدي الأستاذ الراحل أكثر من ثوبه الأبيض(القميص) وابتسامة وجهه المشرقة بنور الله ومحبته.
ويلح عليه بعض أصدقائه تجار الجنوب في عدن بالضيافة بدلًا عن الإقامة في أجنحة الفنادق الراقية, فيجاريهم محبة منه لزيادة الألفة والأخوة .. فكان كريماً في تواضعه أبعد عن التَّكلف والمظاهر والتظاهر بتأثير روح وتربية إبن القرية.. زاهداً في معيشته وحياته بطاقة روحانية واستبشار وفرح داخلي يعوضه عن المثيرات الحسية الخارجية.

* لا خَدَم ولا حَشَم *

أِنتظرت ذات مرة في منزله بالجحملية مائدة الغداء التي دعاني إليها بعد صلاة الجمعة مع خطيب جامع هائل(المصري), فإذا غرفة الطعام شبه خالية إلا من العصيد, وطبق لحم متواضع وبضعة أرغفة مُلَوَّحة من التنور , من طباخة أهل بيته الكرام اللواتي ناولن الأستاذ أحمد هائل رحمه الله من غرفة جانبية طبق( بنت الصحن) لإكمال المائدة, مع زجاجة عسل بلدي لا يزال طعمه في لساني, ووعاء حقين بنكهة ورق الشذاب, وزجاجة سمن بلدي !!.
لا يوجد خدم أو حشم أو شغالات في المطبخ, وكله بلدي من القرية وداخل.
بحثت في بيت أحمد هائل سعيد عن مائدة بني إسرائيل, مائدة يتوسطها خروف محشي كبير على الأقل وأطباق أخرى كثيرة منوعة من الأسماك والدجاج والجمبري والشروخ بطباخات وتشكيلات مختلفة و طبخات أرز متنوعة بين زربيان, ولحم مقدد وآخر ممروق, وأنواع من الخبز والرغيف والسلطات, والمكرونا بأصنافها, وأطباق الفواكه الزاخرة كما في الأفلام, غير عَمْبة البابايا ألتي جلبها المضيف من حديقة منزله وطبق عنب, وبعض الموز فقط.
بحثت في ضيافة المرحوم أحمد هائل عن صورة المليارديرات والبهارج التي تحيط أسلوب وطريقة حياتهم والمظاهر الفخمة كجزء مكمل للشخصية, وكيف يأتي الخدم بعد أن يشبع خمسة مدعويين للغداء فقط ليرموا إلى براميل القمامة بطعام نظيف طاهر باهض الثمن يكفي لأطعام ٢٠٠ شخص على الأقل !!.

أحببت هذا الرجل الزاهد القدوة من كل قلبي, وتأثرت بمواقفه وبطريقة وفلسفة حياته, وعرفت أن الدعوة إلى الله تكون بمكارم الأخلاق والممارسة وليس في كثر الكلام والوعظ , ولو أنفق الداعية الحقيقي المتمكن حياته وجهده مع الميكرفونات والمحاضرات.

وربما كان فنان الكاريكاتير الشهير الأستاذ عارف البروي الخامس على المائدة أو لا أتذكر , أو تشابهت الموائد علينا, فقد حدثني الأستاذ أحمد عن مودته الخاصة لهذا الفنان المبدع وكذلك تقديره الشخصي للأستاذ عبدالسلام الأثوري الخبير الاقتصادي المعروف في القنوات الفضائية هذه الأيام, وهو حائز على درجة ماجيستير في تخصص(إعلام-علاقات عامة) ربما من المغرب قبل انغماسه في الإقتصاد والسياسة.. تعرفت عليه في الفترة نفسها منتصف ١٩٩١ م في صالة انتظار الزوار بمكتب الشيخ عبدالجبار هائل سعيد أنعم أطال الله في عمره, وكذلك الدكتور فارس السقاف, والراحل الكبير عبدالحبيب سالم مقبل رحمه الله.
وعبدالسلام الأثوري لمن لا يعرفه إنسان كبير وروح متسامية,وصلصال نادر مجبول على حب الخير والوفاء على طريقة( اللي بقلبه على لسانه) أطال الله في عمره.. وعزاؤنا بوفاة والدته في صنعاء غرة الشهر المبارك .. وهو من تلامذة بيت السعيد بكنزها الأخلاقي الرفيع المطبوع في نفوس من حولها.

* غير متوقع *

أوائل ١٩٩٩م عرضت على الأستاذ أحمد هائل رحمه فكرة طباعة كتابي( ألنقد الأدبي والمعارك القلمية في اليمن) قراءة تاريخية-تحليلية, وطلب مني إرسال فكرة مختصرة مكتوبة عن موضوع الكتاب بالفاكس.. وفي اليوم الثاني طلبني سكرتير مكتبه بالهاتف, ليفاجئني بأن هذا الكتاب يعتبره جزءاً من حياته الشخصية في عدن بالذات, وأنه مع ذلك لم يوافق على عرضي الخاص بالتكلفة, فقلت إن مشروعي طاح بأشادة حافة من الرجل فقط دون تسهيل الطباعة..ثم قطع ترقبي فجأة بقوله : سأشتري كذا نسخة من الكتاب بضعف السعر الضئيل الذي اقترحته) .. لم أتمالك مشاعري ودموع فرح وغبطة لشخص يأس من يدعم مشروع فكري ثقافي تاريخي يخص شريحة واسعة في البلاد, وليس مجرد جهد شخصي وشطحات فكرية معلقة في الهواء أو علم لا ينفع.

كان الأستاذ الكبير فيصل سعيد فارع رئيس مؤسسة السعيد الثقافية على الخط, وهو من نصحني بالتواصل مع الأستاذ( أبو شوقي) كون الثاني هو الأب الروحي ودينامو فكرة اقتحام مأسَسَة الثقافة ورفدها العام.
كانت فرصة الأستاذ أحمد هائل سعيد أنعم من التعليم النظامي في المدارس ضئيلة بسبب اعتماد والده رحمه الله عليه أكثر في بداية النشاط التجاري, لكن الرجل كان مثقفاً وقارئاً نهماً للمعرفة والعلوم, تعمقت قراءآته للثقافة الإسلامية المعاصرة والتراث والتاريخ, والأنغماس بالشأن العام والمعيشي للناس والحياة.. وغلب على شخصيته النشاط الخيري أكثر من التجاري, بانسجام نفسي وروحي كبير بين أسلوب تربيته الورع وممارساته الأنسانية النبيلة.
حاولت الإتصال به إلى منزله في تعز قبل وفاته بأشهر, كان رقم هاتفه الشخصي الأرضي في المنزل هو نفسه لم يتغير منذ عقود كما يفعل آخرون للهروب والتخفي من معارفهم وأصدقائهم بالكبر والتعالي.. كان رحمه الله أزكى وأنقى في سخاء علاقاته ومودته كأنك لم تنقطع عنه طويلاً أو تمعن في تقصيرك بالسؤال عنه وقت الشدة.
وعلى غير العادة جاءني الرد هذه المرة من أحد أقاربه في المنزل بتهذيب شديد : الأستاذ أحمد موجود في الحديقة.. ومعذرة منك, وسوف نبلغه باتصالك الكريم ..)).
كانت ذاكرة الرجل النبيل متعبة في أيامه الأخيرة .. قد يتذكر أصدقاءه أحياناً بصعوبة, وقد لا يتذكرهم إذا تحدثوا معه بالهاتف أو حتى التقاهم وجهاً لوجه.. وهو المرض الذي توفي بسببه وخارت قواه في ضمور تدريجي للدماغ, لكن شعور المريض ليس قاسياً كما هو حال أهله وذويه المحيطين به, وربما تكون معاناة المريض في الأسابيع الأخيرة قبل وفاته فقط.. وذلك من لطف الله.

مات أحمد هائل سعيد أنعم بمرض الأولياء الصالحين ولم تزل بصماته الإنسانية الكبيرة في العمل الخيري وإعمار بيوت الله وطباعة القرآن الكريم وغيرها لا تحصى, وكل الصدقات الجارية ألتي لا ينقطع أجرها وذكرها عن أصحابها بعد موتهم.
ودائماً ما تمتد يد الخير والبر والإحسان في هذا الشهر الكريم وغيره من الأوقات من الأيادي البيضاء لورثة هائل سعيد أنعم ومحمد سعيد وسواهم لقضاء حوائج الناس والتخفيف من معاناة جائحة فقر وأفقار لا يرحم ضعيفاً, وقد يذل عزيزاً لا يعلم بحاله إلا الله.
ولا نعدم من رموز العطاء والخير في هذه البلاد المباركة مبادرات سخاء إنسانية لا تنضب .. والدعاء لهم موصول بالعافية والرضى وراحة البال.
وتحية إلى العميد الأستاذ عبدالجبار هائل سعيد أنعم, والأستاذ شوقي أحمد هائل سعيد وأخوته/ وعبدالواسع ونبيل ورشاد هائل سعيد , وأبناء علي محمد سعيد .. وكل أبناء الشجرة الكريمة .. وباقي رجالات وبيوت الخير والإحسان  في اليمن وفي كل مكان.