2 ديسمبر .. ماذا لو نجح الرئيس صالح!!.

عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
2020/12/03 الساعة 08:16 مساءً

 

 

تبدو تصفية الحوثيين للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح في ٤ ديسمبر صيرورة طبيعية لتمكينه الشخصي لهم وأِمدادهم سراً وعلانية بكل مقومات القوة والسلطة نكاية بخصومه من بيت آل الأحمر والجنرال علي محسن وحزب الإصلاح.

الرجل في عقليته وسلوكه لا يشبه الرئيس المصري حسني مبارك ولا التونسي زين العابدين بن علي الذين تنحوا عن السلطة بشرف وماء الوجه تحت ضغط الجماهير دون رجعة, فثقافة وعقلية هؤلاء مدنية رغم قدرتهم على أشعال حروب أهلية لا تبقي ولا تذر كما قادنا إليها(الزعيم!!).
لكنه أيضاً فارق التنشئة والضمير الأخلاقي بين النموذجين الذي لا تقارن نشأة صالح وتربيته على أمثال هؤلاء, فلكل مدرسته وتجربته, والعبرة بالنهايات.

 .. فقد استهوته لعبة العودة إلى السلطة بأي ثمن, وهي النغمة التي دغدغ بها الحوثيون أيضاً بدهاء ومكر غرائزه السلطوية .. وظل عبدالملك الحوثي في كل مكالمة هاتفية يخاطبه بلقب(الزعيم) حتى بعد تحويث بقايا الحرس الجمهوري والخاص وتحويل فخامته قبل أشهر عديدة من القضاء عليه إلى مجرد رهينة تحت الإقامة الجبرية القاهرة محاط بالجواسيس والمخبرين والوشاة .. ونقاط التفتيش العنقودية تبدأ قرب بيته وبيوت اقاربه في حدة إلى كل منافذ صنعاء العاصمة وما بعدها وحولها في سنحان وخولان ,ومحدود الحركة والتواصل , وممنوع من السفر طوال ٩ أشهر سبقت مقتله.

تذرع بتدهور حالته الصحية وتوقع إصابته بالعمى في أي لحظة نتاج حادثة جامع النهدين .. وتدخل الروس في محاولة لتسفيره إلى درجة التفكير باختراع شبيه يمكنه من الفرار دون شبهة.
لكن عمى البصيرة سبق عمى البصر.
لم يتصرف علي عبدالله صالح قبل مقتله بفترة طويلة كسياسي ولا كعسكري ولا إنسان لافتقاده النضج.
 إنتهت كل مواهبه المبالغ في صحتها كشخص مسلوب الإرادة والقرار من قبل جماعة لم يتوقع أحد أنها ستفعل أيضاً  باليمن أكثر مما عاقبت به خصمها الأحمق.
اعتدى الحوثيون على رجال صالح وأهانوهم طوال أشهر قبل الخاتمة الطبيعية بما فيهم محاميه الخاص محمد المسوري ومستشاروه وإعلاميوه, بل قتلوا حراسات قصور أبنائه كما فعلوا مع أحمد وخالد, وفرضوا القيود على صحافيي حزب الزعيم ووزراء المؤتمر وقياداته ونوابه في البرلمان.. وتلقى بعضهم الصفعات على الخدين والركل, وبأعقاب البنادق.
 وتحوث ضباط وعساكر صالح أكثر من الحوثيين بعد أن أدركوا حجم زعيمهم الحقيقي.
حدث كل ذلك طوال أكثر من  سنتين.. لينتهي الأِشكال بين الطرفين كل  مرة بلقاء دردشة ومجابرة صوتية-مرئية على شاشة مسطحة بين ولي الله الوصي(عبدالملك) والصالح الذي يشكر صاحب مران على تفاعله الكريم وقبول الحديث معه .. ويعتذر الزعيم فوق ذلك عن إزعاج السيد مثل أي شخص مسلوب الإرادة والقرار لا حول له ولا قوة بعد أن بدأ متأخراً إدراك حجمه وفداحة صنيعه ورد فعله المتهور ضد خصومه الآخرين الذي ارتد عليه قبل غيره وأصابه بمقتل نهائي.

* فتنة ديسمبر لا ثورة*

كانت دعوة صالح للناس بالثورة ضد الحوثيين مقشة نجاة أخيرة لخلط الأوراق وهو يستذكر آخر حشد مليوني قبيل أشهر من مقتله في ٢٤ أغسطس ذكرى تأسيس المؤتمر لاعتقاده أن الهبة الشعبية(العارمة) المعول عليها ستعوض حالة ضعف قوته العسكرية المندثرة ألتي ذابت بقاياها في يومين فقط لا غير لاحقاً.
وإذا لم تثمر هبة الجماهير ما في النفس فسوف تمكن الفوضى العارمة المحتملة في صنعاء الزعيم من ملاذ وفرار آمن بعد أن وضعت الاستخبارات الإماراتية على رأسه لصقة طلاء زيتي لتحديد موقعه عبر الأقمار الصناعية.
إذن لم يتنصل رجال القبائل عن وعودهم بمؤازرة علي عبدالله صالح في مأزقه العويص ذاك, وفرقعة عمران وتحفز اصهاره في خولان قطرة في بحر .. فليس بأيديهم أكثر مما كان متاحاً لصالح نفسه وأقاربه من كل عوامل القوة والمال والرجال الذي تخلى عنهم وفرط بهم قبل عامين على مقتلة ٤ ديسمبر.
ومن يصدق شائعة أن الجنود تركوا الزعيم بسبب انقطاع المرتبات يسأل نفسه عن الأموال الضخمة التي استولى عليها الحوثيون لاحقاً من مخابئ صالح السرية ولماذا تراجعوا عن الإعلان عن كمية الدولارات والعملات الصعبة الضخمة الأخرى واطنان سبائك الذهب بعد أن وعدوا بذلك عقب أخمادهم تمرد الزعيم..!!.

 صالح لم يحرق البلد يوم ٢ ديسمبر ٢٠١٧ م بدعوته لانتفاضة في الذهن فقط بل أحرق نفسه فوق ما هو عليه بل وأحرق في طريق حتفه المعبد على الجميع قبل اجتياح الحرس الجمهوري وأحبابهم الحوثيين صنعاء في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ م .. فتبخرت أوهامه باعتقاد أنه سوف يستعمل الحوثيين كحمار ترانزيت عودة إلى السلطة والجاه وكأن أوراق اللعبة السياسية والعسكرية لا تزال بيديه.
لكن يبدو أن حمار الحوثيين بنهيقه المجنون غلب صهيل  حصان صالح الأعرج.
ذلك تفكير كان لدى الرجل أقرب إلى الغرور منه إلى الحقيقة التي اكتشفها متأخراً بعد خروج مفاتيح اللعبة من يديه وإلى الأبد.
نقطة ضعف صالح العقلية وهو يرواغ الحوثيين في الوقت بدل الضائع أنه نسي أن مناورة  الخصوم الآخرين المبهرة مع سيطرته على السلطة طوال عقود ليست كحاله وهو مشلول الإرادة وفاقد الأدوات التي مَكَّن خصمه-الصديق الجديد البديل منها مجاناً كمن يتنازل عن دفاه في ليل شتاء قارس ومجاعة.

غامر صالح يوم ٢ديسمبر المشؤوم بدعوة الناس لما أسماها ثورة لإنقاذ نفسه ومصيره دون احتساب لآلاف الأرواح البريئة والدماء الغزيرة التي كانت ستسفك في صنعاء وغيرها لو أنه استطاع الصمود لأسبوعين فقط وليس ٤٨ ساعة.
ورأينا كيف تدافع بعض الجهلة والحمقى بعد دعوته تلك في صنعاء إلى التقطع لكل من يشتبه بجردته على الطرف الآخر دون تمييز بين مدني مسالم أو مقاتلين حوثيين لم يصلوا إليهم ولن.
أما بمقاييس عنصر مفاجأة قوة الحوثيين في سرعة إخماد حركة صالح وابن أخيه طارق, ذهبت التقديرات السابقة ليس إلى القطع بتفوق  قدرات الزعيم القتالية بل أقل شيء أحداث توازن القطبين .. وهو الوضع الكارثي الأسوأ الذي كان متوقعاً على شمال اليمن بوجه خاص والجنوب كذلك.
توقع علي عبدالله صالح عودته إلى الحكم فاستبقوا جثته إلى اليوم منذ ٤ ديسمبر ٢٠١٧ متنقلة بين ثلاجات مستشفيات صنعاء على شحة وقود الكهرباء.
كما ان انتصار صالح المحتمل على الحوثة كان يعني دورة عنف ودماء أسوأ مما نحن عليه اليوم ,فستعود التحالفات العكسية بين الحوثيين والإصلاح وقطاع من السلفين بدمار واهلاك للحرث والنسل بما لا يقارن لضراوة الأصطفافات والانتقامات والاحقاد.. وحيث لا رجعة أو أمل في حلول على مدى ٢٠ سنة قادمة على الأقل.
جنوباً كان من المتوقع إبرام مجلس الانتقالي صفقة مصيرية مع صالح قد تعيده إلى حظيرة الوحدة باملاءات أماراتية .. لكن لا صالح عاد حتى إلى المقبرة ولا الانتقالي خرج إلى اليوم من جاذبية دائرة رمال عدن المتحركة.
أبانت عملية تصفية الحوثيين علي عبدالله صالح بتلك السهولة فيما بعد أن تحالفه معهم لم يشكل أي أهمية سياسية أو عسكرية .. وأن فضه شراكة الطرفين متأخراً من جانب واحد لم يغير معطيات الميدان ضد الحوثيين ولا سير المعارك.
فالرئيس المعزول لم يملك قدرة  الدفاع عن نفسه.
أما بقايا الحرس والمليشيات التي ذهبت بعد ٤ ديسمبر إلى عدن أولًا ثم  الساحل الغربي بقيادة طارق صالح فقد سلمتها الإمارات المتحدة انتصارات غيرها في قوات العمالقة والتهامية.
ولم تخض فلول عائلة عفاش أي معركة حقيقية مع الحوثيين في الحديدة والساحل الغربي وباب المندب أكثر من المناوشات التي تحصل بين الأطراف في منذ اتفاق ستوكهولم الذي عزز دور الأنقلابيين أكثر.
وإذا كان الحوثيون تراجعوا في بعض مناطق الحديدة نسبياً فقد تقهقر خصومهم في أكثر المناطق حساسية حول صنعاء(مأرب والجوف) وانسحبوا من شبوة لتعزيز قبضتهم على البيضاء بفضل رهان تحالف السعودية-الإمارات على بقايا نظام صالح العسكري وارثه القبلي نفسه الذي شرد من صنعاء قبل الزعيم.
وذهب ما أنجزته قوات  الشرعية وانصارها القبليين في أربعة اعوام في شهرين فقط عندما تصدر موالون لعائلة صالح قيادة معارك مناطق أكثر حساسية وأهمية في نهم والحزم وصرواح باسم(ألقوات المشتركة).. وفقدت الشرعية والتحالف ما كان مضموناً باليد بانتظار ما فوق الشجرة !!.
ولا يزال غباء التحالف يراهن في الحسم على حمقى فلول ومليشيات صالح ومن اسموهم(القبائل الزيدية) بعد كل الضربات الموجعة والوقائع المتوالية.
وبكل المقاييس فإن القضاء على بقايا قوة صالح وتشتتها هو إنجاز لصالح الوطن والجميع لم يقصده الحوثيون لذاته لكنها ضربة القدر ولطائف الرحمن.. لأن مشكلة اليمن في غشامة مراكز الصراع على السلطة وأدواتها, وكلما تخلصت من قوة متسلطة مستبدة يتعافى الوطن على المدى البعيد .. وستأتي السكين  الدور على مراكز القوى الأخرى تباعاً من الحوثيين والاصلاحيين وباقي المتخندقين.
ولا يزال الرهان على إن إسقاط مشروع الانقلاب الكهنوتي-الإيراني  البغيض سيكون مضموناً بالسلمية من الداخل أكثر من الوسائل والخيارات العسكرية التي أنجزت عكسها خلال ست سنوات.
وليس انحراف مسار مسمى(تحالف دعم الشرعية) عن أهدافه الا أقرب لتصدير أزمة الخيارات التقليدية والطريق المسدود الذي جعل مطامح ومطامع النفوذ والهيمنة على جغرافيا ومنافذ وثروات اليمن البحرية والبرية تتجه نحو النقيض من أهداف إنهاء الانقلاب وعودة الشرعية الدستورية ومؤسسات الدولة اليمنية وسيادتها.

ولنا أن نتذكر بعد ٣ سنوات بالوفاء والتمام على مقتل الرئيس السابق علي عبدالله صالح أن ما أصاب اليمن إلى اليوم من احتراب ونكبات وضنك معيشة وأحوال كان هو أبرز مهندسيه, ما يجعل أي حسنات أو إيجابيات سابقة له في مهب جائحة نار الحرب التي اذكاها بجهالته وروح الانتقام غير المشروع ليقول السذج فقط أن الأوضاع كانت أفضل في عهده .. ونسينا من أشعل فتيل كل هذا الخراب.. وأبرز عقوبة له في الدنيا قبل الأخرة أنه لم يصلى عليه حتى اليوم !!.
أما أن صالح أشعل ثورة في ٢ ديسمبر ٢٠١٧ م فلا يستحق التعليق .. 
ومن حق الناس في اليمن كلها مؤتمريون واصلاحيون واشتراكيون وقوميون ومستقلون وكل من مسه الضر أن ينتفض ضد فساد وعبث الحكم السلالي العنصري في صنعاء ولكن بشعارات واقعية تستعيد كرامة المواطنة للجميع وليس السطو على ما تبقى من عقول الناس وتغريرهم بالشعارات المموهة لإعادة حكم عائلة عفاش وتحالف بيت الأحمر والإصلاح أو تمكين مشاريع الخارج من مقدرات وثروات اليمن.
ولنتخيل فقط ولو للحظات أن أحداث ٢ ديسمبر لم يحسمها طرف في صنعاء أو لم يطفئها الله .. فذلك أهم بكثير من التباكي على رفاة أبرز رموز خراب اليمن علي عبدالله صالح.
وللمؤتمريين والمخدوعين ومن يحارب ويموت ليأكل عيش أيضاً .. ألأكرم والأسلم أن يكون قتالكم من أجل وطنكم وعزة أهلكم الذين اذلوُّهم بيت بدر الدين الحوثي صنيعة الرئيس صالح وعائلته وأقاربه.. وليست تضحيات مجانية غبية  من أجل عودة عائلة أو أحزاب أو فئة إلى السلطة في وطن أَوْلى أن يستعاد دون غيره من خاطفيه في الداخل والخارج.
وباختصار انتهى تاريخ علي عبدالله صالح بأطلاق رصاصة الرحمة على نفسه بنفسه وغطت آثار أفعاله الآثمة على ما كان سيحسب جماهيرياً لصالحه.