هادي ليس المشكلة .. كواليس المملكة والحوثيين !!

عبدالفتاح الحكيمي
عبدالفتاح الحكيمي
2020/07/16 الساعة 08:17 مساءً

 

 

 

 تخلت المملكة السعودية في الظاهر عن هدف الإنتصار العسكري التقليدي في اليمن الذي راهنت عليه قرابة ٦ سنوات .. وتسعى حالياً إلى وقف الحرب من خلف ستار ليظهر وكأنه مطلب الفرقاء اليمنيين المتقاتلين أنفسهم .. وحصرت مكسبها السياسي  في التظاهر بنزولها عند رغبة الأطراف اليمنية نفسها والاستجابة لمصلحة الاشقاء ومطلب السلام وحقن الدماء.. ألخ  ما في قاموس الذرائع الجاهزة.
 وقد تكتفي الرياض بالحصول على ضمانات( مستحيلة) بعدم تهديدها الأمني بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية تنطلق من اليمن في المستقبل.. بعد أن ربط القوم في صنعاء حمارهم بحمار طهران. 
ألحوثيون قد لا يهتمون في النهاية بانتصار عسكري تقليدي أيضاً يبدو تحقيقه مستحيلاً أكثر من أنهم يقايضون وقف الاقتتال بضمان هيمنتهم على اللعبة السياسية فيما بعد, والتحكم  بمسار وتوجهات سلطة الحكم الناشئة الجديدة.. ولذلك نجدهم يخططون بمكر نحو هذه الغاية ويكررون منذ سنوات شرط (أن يكون تفاوضهم مباشراً مع السعوديين) الذين يعتقدون أنهم سيضطرونهم لهذه النتيجة بتأثير فداحة تضرر مصالحهم ومنشآتهم الإقتصادية النفطية الكبرى وانهيار ايراداتهم وتململ وضع أمنهم الداخلي والتضخم المالي .. وبذلك يسعى الحوثيون من خلال مبادرات السلام ووقف الحرب الأخيرة إلى استكشاف مدى جدية نوايا السعوديين في التخلي عن طرف قوى الشرعية أكانت ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي أو مراكز القوى العسكرية الداعمة لها من مكونات الجيش الوطني والقبائل, أو الحلفاء الحزبيين والمذهبيين في المعركة .. بما يعني تمكين الحوثيين من التفاف سياسي ناجز لانتصار أكبر من عسكري.
ولا تعدو تمثيلية رفض استقبال الحوثيين للمبعوث الاممي غريفيث أكثر من تمثيلية لإخفاء وقوفهم خلف مبادرته الأخيرة.. ولا علاقة لذلك بموقف الرجل من نهب الحوثيين لمرتبات الموظفين من إيرادات ميناء الحديدة.
* *
والواضح أن السعوديين والإماراتيين أوجدوا لهم أيضاً بدائل مليشيات ذيلية دينية, قبلية, حزبية تابعة في شمال اليمن وجنوبها يستغنون بها عن تَمَنُّعات جيش الشرعية أو الحلفاء الآخرين المشكوك باستمرار ولائهم, والمحتمل تراجعهم في أي لحظة أو حتى تمردهم .. لذلك حين يترك السعوديون والاماراتيون اليمن في الظاهر(بعد التسوية الافتراضية) سيحركون دمى المليشيات المحلية الموازية المربوطة بأصابعهم .
ومن المفارقات أن الإماراتيين نجحوا في كسب ولاء قطاع كبير من سلفيين أفرختهم في الأساس فقاسات الوهابية السعودية وكان ولاؤهم التقليدي لثكنات وشيوخ التكفير بالمملكة(المداخلة, الجاميون) .. بل تمادى بعضهم في التطاول على أولياء نعمتهم القدامى كما فعل هاني بن بريك وعبدالرحمن شيخ, وشيوخ ميكرفونات جوامع البريقة وكريتر والتواهي وردفان.
ألفارق الكبير إن السعوديين يتوقون إلى ممارسة وصايتهم التاريخية التقليدية بصورة مباشرة على القرار اليمني لعدم ثقتهم بأدواتهم الجديدة ولمعرفتهم بكبرياء الشعب اليمني, بينما يفضل الأماراتيون الإعتماد على أدوات عمالة محلية يثقون بها أو يتظاهرون بذلك بحكم أنهم مستجدون(طارئون) على المنطقة, فيحتالون من وراء حجاب وتفريخ استخباري لا يكلّ لضمان السيطرة, ونجحوا في شراء ليس قطيع من السلفيين المداخلة والجاميين والوادعيين بل وقطيع مطيع من باعة دكاكين الشعارات القومية, وفي قلب وخاصرة الحركة الوطنية اليمنية في تعز والحجرية بوجه خاص.
وليكن معلوماً لدى الحوثيين وأنصار ألله (أشياع الباطل والظلم) أنه حتى إذا حسمت معادلة النصر العسكري التقليدي لصالحكم سوف تفشلون من أول يوم أمام إرادة ورغبة الجماهير الساحقة ألتي لا تريدكم أن تحكموها ولا يشرفها عيش الذلة والمهانة في اليمن تحت وصايتكم وهيمنتكم, فالتفاهمات الثنائية الخفية بين الحوثة والسعودية ليست ملزمة لليمنيين بأي حال  ..
ولكل ذلك تشكل فكرة النصر العسكري الكامل للحوثيين في حقيقة الأمر مصدر رعب وذعر سياسي كبير لهم اولًا عندما يتصورون أنفسهم في مواجهة مباشرة وجهاً لوجه مع ٣٠ مليون إنسان  لا يعترفون بهم ولا بحكمهم السلالي ولا يثقون بعدالتهم أو تمثيلهم لمشروع بناء دولة أو مواطنة متساوية .
ومن جهة أخرى يرى تيار الهيمنة الطاغية داخل مليشيات أنصار الله (الحوثيين) إن استمرار الحرب أطول فترة ممكنة بصرف النظر عن النتائج هو غاية انتصاره الحقيقي ليس على قوى تحالف دعم الشرعية وحدها ولكن على باقي مكونات أنصار الله الأخرى نفسها التي تتحين لحظة الخلاص قبل غيرها بانتظار استراحة المحارب لتنقض لالتهام أصنام التمر ألتي اقترفتها على نفسها.
 فلا يبدو الإنتصار العسكري التقليدي للحوثة والمتحوثين ومن ركبوا الموجة للضرورة أكثر أهمية من مصير كارثي ينتظر تيار السلاليين.. وأي تفاهمات لا تعني نجاحها بالضرورة.

* ظلم الداخل وابتزاز الخارج*

ولا يفهم استمرار ضرب أهداف سعودية كبيرة بالصواريخ الباليستية والمسيرات إلّا رغبة هذا التيار العائلي الأستبدادي العارمة في تصعيد ضربات طيران سعودية إماراتية مقابلة مضادة فتاكة على صنعاء وصعدة وعمران وغيرها يضمنون بها مواصلة الولاء القسري لتيارات أنصار ألله الأخرى وأِحراجها وزجها في لعبة حرب لا تبقي ولا تذر إلى ما لا نهاية وابتزاز عواطف عوام المغفلين.. ذلك لأن السلام الحقيقي بالنسبة لهم كارثة وتهديد وجودي كبير أمام طموحات معادلة فرض مشروع حكم السلالة العنصري العائلي بالقوة والفوضى والحرب المستدامة.
وهذا هو المفتاح المجاني وراء اعتقال رئيس المجلس السياسي الأسبق لانصارة الله الشيخ صالح عبدالله هبرة مؤخراً قبل أيام, ألذي اعتبر ضمنياً في منشور له على الفيس بوك إن مشروع رهان الحوثيين من استمرار الحرب هو التسلط على ارادة شعب لا يريدهم أن يحكموه ويرفض تسلطهم الفاحش على إرادته وخياراته بالحرب, ومارسوا من المظالم ما تندى لها الجبين في التحرش والكيد التجسسي والبطش بعشرات الآلاف في صعدة وغيرها بالباطل والظلم.!!.
والمرجح أن تقايض السعودية تراجعها عن النصر العسكري المستحيل في اليمن بما هو أكبر بكثير ولا يقل عن هدف اقتصادي ضخم بتمرير أنبوب نفط بحر العرب الذي يقسم  محافظة المهرة ويعزلها عن بعضها وفرض مشروع مملكة حلم الربع الخالي.
ومن أعجب ما لم يحدث في التاريخ ان من يستعين بك على إنقاذ ثرواته النفطية المهددة ومستقبل بلاده في مضيق جبل هرمز يعرقل استغلال ثرواتك في الجوف ومأرب والمثلث الأسود في ذروة انهيار الأقتصاد اليمني.!!.
وأكبر صور الابتزاز ما يمارس اليوم في مؤتمر الرياض بتوقيت ابتزاز أطراف النزاع بمفاقمة تدهور الأوضاع المعيشية في اليمن إلى أقصاها وتدمير العملة الوطنية المقصود عندما يربطون شرط تقديم الوديعة المالية (الملعونة) بصفقة بيع قطاع النفط رقم ١٨( مأرب- شبوة) .. فيبدو أننا نعيش في اليمن عقوبات لا إنسانية جماعية لكل ما تقدم من شراهة الاشقاء.
ولا تقف مطامع الإماراتيين عند تجريف الثروات البحرية في سقطرى وحضرموت والمخا وباب المندب بالمصانع العائمة والقواعد العسكرية , بل تذهب أعمق في تكريس خارطة تقسيم تناحر اجتماعي وحزبي وعقائدي عميق من الحديدة, تعز عدن, أبين إلى شبوة, حضرموت , سقطرى لتستمر قبضة السطو على القواعد العسكرية والموانئ والمطارات والثروات إلى أقصى مدى.
وحتى مع افتراض تقارب الأطراف اليمنية باتجاه وقف الحرب والتسوية السياسية والمصالحة الوطنية فلا توجد ضمانات حقيقية جادة ليس على استمرار ونجاح ذلك الأفق الممكن بل بمنع تدخل الاشقاء الإقليمي في تقرير ما يراه اليمنيون متسقاً مع رؤية إعادة بناء دولتهم بمعزل عن الوصاية الخارجية وممارسة كامل سيادة القرار السياسي الوطني على الأرض والثروة والسلطة.
فالحوثيون من جهة تكامل مشروعهم السياسي مع المحور الإيراني وانغماسهم ضمن أجندات غير يمنية يقدمون ذرائعية جاهزة لمزيد من تغلغل أصابع الرياض-أبو ظبي والسعي الحثيث لتحكمهم بمسار ماينبغي أن يكون عليه الوضع العام وتوجهات وعلاقات البلد الخارجية والداخلية.
تحكمت  نزعة فرض الوصاية ومحاولة اخضاع وتطويع القرار اليمني واستلاب الإرادة المستقلة بهاجس ونهج الاشقاء المثابر على مدى عقود طويلة في اليمن بغياب عامل خطر كبير أو واقعي عليهم.. أما الآن فإن النفوذ الإيراني الممتد من العراق وسوريا ولبنان واليمن مرخراً تجاوز الأمنيات إلى كونه أكبر الكوابيس الوجودية السياسية للملكة.
وإذا تمكن السعوديون من تمرير مشروع قناة نفط بحر العرب عبر محافظة المهرة بتوافقات تاريخية عادلة متكافئة تحترم حق اليمنيين وسيادتهم فقد تجتاز عقدة مضيق هرمز مؤقتاً, لكنها لن تضمن تفادي صداع باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي الذي تسللت إليه طهران.
لكل ذلك ستحاول المملكة فرض حضورها (العميق) لاحقاً اكثر في اليمن مهما بلغ نجاح توافقات أطراف الصراع الداخلي على التسوية الشاملة(الافتراضية), لأنها لم تضمن لنفسها تسوية تاريخية مقابلة مع الإيرانيين تتفادي تهديد أدواتهم في اليمن والعراق بوجه خاص.
ومشكلة الأشقاء أنهم لم يغيروا قواعد رؤيتهم للجوار اليمني ولم يستوعبوا بعد أن أضعاف وتفكيك حلفائهم الأساسيين مصدر قوة لإيران ومشروعها الكبير في المنطقة.
والأخطر أن الأشقاء لا يراعون اعطاء اعتبار وتقدير لائق لمعادلة (خصوصية الشعب اليمني) بل يتعاملون مع شخوص أفراد (مقاولين عابرين) صنعهم الشعب بنفسه وقد ينقض عليهم كما فعل عبدة أصنام التمر بآلهتهم .
فاليمن شعب حي وليس قطيعاً(يحي) كالآخرين.
اليمنيون لم يكونوا قطيعاً تابعاً وجميعهم على وعي و(تلاحم) تاريخي مستدام أنهم مصدر القرار والسلطة, وثوراتهم ألتي يعتقد البعض أنها مزقتهم جذرت وعيهم الحقوقي الشامل أكثر , وأن أي تصرفات لمستويات السلطة العليا(المفوضة من الشعب نفسه) لا بد أن تكون مقنعة ل٣٠ مليون بني آدم هم مصدر الحكم والقرار.!!.
وفي ذلك وعليه تشتغل ألأصابع الإيرانية بذكاء على ورقة (الشعب اليمني) وتظهر تعاطفاتها المخادعة من المهرة إلى صعدة.
مشاريع الأشقاء الاستراتيجية الحيوية تقتضي إعادة تقييم رؤيتهم السياسية القديمة وقواعد اللعبة, وموقفهم من كيان الدولة اليمنية المستقلة بمفهومه الواسع الذي يشمل كرامة الإنسان, وحدة الارض, سلطة الشعب( مالك السلطات ومصدرها) .
يبدو أنهم فقط يعرفون ما يريدون, ولا يريدون إدراك ما يدور حولهم وما يطلبه الآخر.. وليست مشكلتنا.
فأما أن يضعوا أنفسهم تحت طائلة قبضة الحوثيين أو يعيدوا قراءة تاريخ ثورات اليمن وتمرداتها وانتفاضاتها  الصغيرة والكبيرة التي يعتبرونها( فوضى وصراعات) ليعيدوا صياغة توجهاتهم على بَيِّنَة ووضوح وليس عن تعالٍ ومكابرة وغرور زائف.
وما فعله الحوثيون رغم ضعف امكاناتهم أنهم عزفوا على نغمة وتر (كرامة اليمنيين) التي يدوسونها تحت أقدامهم مثل غيرهم .. وهو سر ومصدر حجم الرفض الشعبي الواسع المضاد المناهض لهم.

* حلقة مفرغة *

والخلاصة أن مشاريع السلام الشامل في اليمن ووقف الحرب عبارة عن رغبة سعودية أممية أكثر منها يمنية .. مع احتمال أن يعكس رفض الشرعية أو تحفظاتها على اي مبادرات رغبة سعودية غير معلنة, أما لتطابق التصورات وأما لضبابية النتائج .!!.
فاليوم يعتبر عبدالملك الحوثي وعائلته أنه نسخة عظمى من نموذج حسن نصر الله , وكما هي إسرائيل على حدود لبنان وسوريا يكثف إعلام الحوثيين صورة مماثلة للاشقاء على حدود اليمن .. فمن ينتزع الموز من فم قرد.!! 
كما أن تبسيط تعقيدات الحل النهائي والتسوية واختزالها بأزاحة الرئيس هادي وتشكيل مجلس رئاسة مغالطة كبيرة لأن  المعضلة الحقيقية في عدم قناعة أطراف الصراع بالتعايش السلمي والانتقال لحسم التنافس على السلطة عبر صناديق الاقتراع أو التوافقات الإيجابية .. كذلك في أوضاع اليمن عقدة النصر العسكري لن تمكن المنتصر من الحكم ولا بالحد الأدنى مما يريده لنفسه لأن جاهزية الناس أكبر لاسقاطه ورفضه شعبياً عاجلاً أم آجلاً.
وكل القوى الحزبية والاجتماعية والمذهبية الدينية والمكونات الواعية على اختلافها تدرك وتقدر ذلك ما عدا رؤوس الحركة الحوثية بحكم تسلط نظرية الحكم العنصرية التي يقدسونها, مع إحساسهم بتحدي إرادة الغالبية العظمى وفرض مشروع حكمهم بقوة الغلبة, على عكس قوى تحالف الشرعية ألتي تستمد تماسكها العسكري من دعم الأشقاء وسيطرتهم على قرارها.
والأكثر تعقيداً أنه لا الحوثيين ولا إيران يرغبون في تسوية, بل قد نجدهم يقولون قريباً أن معركتنا ليست مع الشرعية بل مع السعوديين .. وهذا هو تصورهم وقناعتهم الحقيقية نظراً لشعورهم بالزهو وشعورهم أنهم يواجهون طيران التحالف فقط وليس قوات الطرف الآخر على الارض.
لكل ذلك هم يتمنون في قرارة أنفسهم أن يكون عبدربه منصور هادي هو الرئيس الفعلي فخطورته عليهم ليست عسكرية بل ورقة سياسية قوية بيد السعودية يستمدون غطاءهم منها, والواجب تجريدهم منها !!. 
أما علي محسن الأحمر فيراهنون على التخلص منه فعلياً لثقله على أرض المعركة .. وإذا تمت تنحيته كما يمنون أنفسهم فسوف يتوسلون لبقاء الرئيس هادي إذا قبل بشروطهم.
ومن المؤسف إن اي سلام او تسوية لصراع المتقاتلين في اليمن ستخضع لشرطية معادلة الصراع الإيراني السعودي الشامل في المنطقة ما يعني أن  الخيارات أمام اليمنيين ضئيلة جداً, فأما إبقاء تقسيم مناطق السيطرة العسكرية الحالية للمليشيات والشرعية كما هي بما فيها مليشيات الإمارات جنوباً .. وذلك أفضل تقدير بما يعنيه من بقاء تحكم ذيول إيران بجزء خطير من اللعبة في باب المندب  والبحر الأحمر على الأقل .. وأما استمرار عبث الحرب وطغيان قوة على الباقين واستمرار فوضى الرفض الشاملة .. وأما الرهان الضعيف الواهن على عودة العقل إلى أدوات إيران وهويتها اليمنية, وذلك ربما يتطلب نأي الاشقاء السعوديين بأنفسهم عن اعتبار هذا البلد حديقة خلفية أو مطمعاً حالياً لما في ذلك من سحب بساط التبريرات عن تدخلات إيران المماثلة وربما الأسوأ في المستقبل.!!.
 لذلك نرى كيف أن كل هم الحوثيين وقف الغارات الجوية عليهم فقط دون رغبة في وقف الحرب الشاملة.